هذه المرة سأبدأ بالكتابة عن هذه الرواية باقتباس منها عن ذلك الشعور الذي يتعذر علينا وصفه او تعليله عند قراءة الادب حيث يكتب جون ويليامز «أمام سحر الأدب وقوته التي لا توصف، ليس بأيدينا إلا أن نستكشف منبع ذلك السحر وتلك القوة ومع ذلك ففي نهاية المطاف ما جدوى ذلك؟

إن العمل الأدبي يلقي أمامنا حجاباً ثقيلاً لا يمكننا سبر غوره، ولسنا سوى مؤيدين قليلي الحيلة تحت سطوته، من ذا الذي يجرؤ على كشف ذلك الحجاب ليستكشف ما لا يمكن استكشافه، ليصل الى ما لا يمكن الوصول إليه؟ إن اقوانا ليسوا سوى ضعاف تافهين، ليسوا سوى رنين صناج وقعقعة نحاس في مواجهة الغموض الأزلي»، نعم كيف يمكنني اذن ان أشرح الاسباب التي جعلتني أحب هذه الراوية بل وأن أجد حياتي فيها وأن أهم فوراً لاستشراف المستقبل القادم الي لا محالة، كيف اقول لك صديقي القارى ان هذه الرواية التي كتبت عام ١٩٦٥ للكاتب الأمريكي جون ويليامز غيرتني عندما بدأ التفت بملاحظة أكثف من ذي قبل لحياتي، مثلما حصل لبطلها ستونر عندما غيرته سوناتة لشكسبير، ها هي ذي ستونر تغيرني بدورها، انها قوة الادب.

CZQV_tnWYAAW8Td

على الرغم من أن كاتب الرواية جون ويليامز يخبرنا في بداية الرواية من أن شخصيته الرئيسية في هذه القصة ليست رومانسية على الإطلاق، لأنها لا تمتلك مقومات خارقة، حتى أن الكثيرين نسوا «ستونر» البطل بعد وفاته وتذكره قلة، إلا انني وجدت نفسي ألهث بينما اقرأ، حتى وصلت الى نهايتها، فهذه الرواية لا تقدم لنا احداثاً غير متوقعة، ان إيقاعها بطيء وخافت، نتابع فيها حياة طبيعية لويليامز ستونر بطل هذه الرواية، الذي انتقل من مزرعة والده في الريف ليدرس الزراعة في جامعة ميسوري بعد اقتراح من عمدة القرية التي يسكن فيها، ليتمكن ستونر من مساعدة والده على حراثة الحقل الذي كبر ستونر فيه ولم يعرف الحياة في مكان آخر سواه. ولأن ستونر من عائلة فقيرة، اضطر إلى أن يعمل مع اقربائه الذين سكنوا بجانب الجامعة وهذا ما حصل في السنوات الأولى من دراسته الجامعية، وفي أحد مقررات الادب التي وجد ستونر نفسه مضطراً لأخذها لاستكمال جدوله الدراسي يحدث التحول الاول في حياته، عندما يقرر أن يكمل دراسته في الادب وأن يتنازل عن مواصلة الدراسة في كلية الزراعة». فيما كان ينشغل ذهنه بمادته، وتتوثق صلته بالأدب الذي يدرسه ويحاول فهم طبيعته، كان يعي بحدوث تغيير مستمر بداخله، وفيما يعي هذا، كان يخرج من نفسه إلى عالم الادب، فعرف ان قصيدة لميلتون او مقالة لبيكون او مسرحية لبن جونسون قد غيرت العالم الذي كان مادتها، وقد غيرته لأنه يعتمد عليها» اننا في هذه الرواية ندخل إلى عوالم الحياة الأكاديمية لستونر وفي علاقته بالجامعة منذ أن كان طالباً فيها وحتى صار احد المدرسين فيها.

ما يجعل هذه الرواية رائعة بالنسبة لي هي انها مألوفة جداً بالنسبة لأي انسان، وهي تقدم بأسلوب نثري غنائي لم يبالغ فيه الكاتب، لقد حاول أن يقص لنا الحكاية دون ان يفسر شيئاً، حتى في علاقة ستونر بزوجته وأصدقائه وحبيبته التي احبها وهو في منتصف العمر، نجد ان الامور تسير فحسب كما لو انها في طريق حياة أي واحد منا. وحول مواقف ستونر من الكثير من الافكار في الحياة مثل الموت يقول الراوي: «حين كان يفكر في الموت من قبل كان يعده اما حدثا ادبيا او انه الإنهاك البطيء الهادئ الذي يفعله الزمن في الجسد الفاني. لم يفكر فيه كانفجار عنيف في معركة أو تدفق دم مفاجئ من رقبة.» وعن الحب «في شبابه ظن ستونر أن الحب حالة وجودية صرفة قد يدركها المرء إن كان محظوظا وفي سنين نضجه قرر أن الحب هو نعيم خادع يجب ان يحدق فيه المرء بكفر مرح وعصيان مألوف وطيب وحنين مرتبك. والآن بدأ يدرك وهو في منتصف العمر أن الحب لا هو بحالة إجلال ولا هو بوهم، بل تحرك إنساني نحو الصيرورة، ظرف يتم اختلاقه وتعديله يوما بعد يوم ودقيقة تلو الاخرى بالإرادة والعقل والقلب.»، تمر أحداث الرواية بظروف تاريخية مختلفة منها الحرب العالمية الأولى إلا اننا لا نحس بهذا إلا في خلفية القصة كما لو ان لستونر «أمريكا الخاصة» به. هذا ما كتب عن الرواية في مقابلات اجراها موقع ithup عن الرواية وأترجم منها «تظهر هذه الرواية كيف أن أمريكا كانت معزولة عن الحياة، كانت أسطورية بقدر ماهي تاريخية، أمريكا ستونر». كان ستونر قد رفض المشاركة في الحرب وهنا عدا هذا السرد البارع لجون ويليامز يعود بنا الأمر للكثير منا، الذين لا يدركون علاقتهم المباشرة بالوطن او اي محيط خارج انفسهم لا لأنهم يقررون الانتماء من عدمه، بل لأن الأمور تسير على هذا النحو ببساطة، يستغرق المرء منا في عالمه الخاص بعيداً عن هذه الأفكار. كانت حياة ستونر في الجامعة وحدها.
وعوضاً عن هذا كله، لا يمكن أن اغفل الحديث عن علاقة ستونر بالقراءة، ومرور اصابعه الصلبة على مجلدات الكتب في الجامعة وتلك الرعشة التي اصابته كثيراً وهو يمررها هناك، يقول الراوي عن ستونر» لم يكن لديه أصدقاء ولأول مرة في حياته شعر بالوحدة، كان احيانا وهو في عليته في الليل، يتوقف عن القراءة ويتطلع لاركان غرفته المظلمة حيث يتراقص لهب المصباح في الظلام، ان حدق طويلاً بتركيز تتجمع الظلمة في كتلة ضوء تتخذ الشكل اللامادي لما كان يقرأه، ويشعر بأنه خرج من الزمن كما حدث ذاك اليوم في قاعة الدرس حين وجه اليه ارشر سلوان حديثه، يتجمع الماضي ويخرج من الظلام، حيث ظل قابعاً، ويعود الموتى إلى الحياة يقفون أمامه، ويسير الماضي والموتي في الحاضر بين الأحياء وفي لحظة زاخرة تأتيه رؤية كثيفة فينمدج فيها دون أن يستطيع الخروج منها، ودون أن يرغب في الخروج منها» حتى في الاوقات التي شعر فيها ستونر بأنه خارج جسده، لا يقوى على التركيز، يراقب الأشياء من بعيد، تجلى هذا في علاقته بالقراءة فهو يمسك بالكتاب وعلى الرغم من انه يحدق طويلاً في الصفحة إلا أن الحروف تطير الى مكان آخر غير فؤاده. لم يعد قادراً على ان يقرأ. كم يتقاطع هذا مع تجربتي الخاصة ؟

p1040051

مع كل هذه السلاسة التي ندخل بها إلى عالم ستونر، والانثيال العاطفي الآسر وغير المضجر، غير الصبياني ايضاً، بقي ان اقول ان هذه الرواية تم تجاهلها منذ ان كتبت حتى عام ٢٠٠٥، كتب عنها الناقد الأمريكي موريس ديكستين وهو ناقد مهم في صحيفة نيويورك تايمز « هذا الكتاب نادر جداً، وهذه الندرة لم تجعل الكتاب عظيماً فقط بل انه مثالي «. ولد جون ويليامز الكاتب عام ١٩٢٢ وتوفي عام ١٩٩٤، كتب روايتين هما ستونر واغسطس، ترجمت ستونر للعربية عن دار أثر للمترجمة ايمان حزر الله.

أخيراً عندما قرأت هذه الرواية التي تعد من اهم الاعمال الكلاسيسكية، شعرت كما لو أنني بجانب نفسي، وانتباني حزن لا تفسير له، ربما لأنني رأيتني فيها بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لا اعلم كم يلزم من الوقت لأتجاوز نصاً ادبياً كهذا، ربما لن افعل ابداً، صديقي القارئ ابحث عن اي منفذ قريب لشرائها وقرائتها في اقرب فرصة، اما ان كنت تبحث عن رواية مليئة بالتحولات الخارقة فهي لن تهمك في شيء، إنني اوصي بها جداً.