أواجه صعوبة كبيرة في التعريف بهذا الكتاب الرائع لكنني سأحاول أن أنقل لكم ما حصل لي عند قراءته. في البداية عليّ أن لا أكف عن التأكيد من أن النتاج الأدبي الأصيل الذي عمل على تقديم الإنسان وتعقيدات الحياة سيبقى مع البشرية حتى وإن مضى وقت طويل عليه،

وليس أبلغ من ذلك استنادنا على الادب الاغريقي والروسي حتى اليوم وبصورة شائعة جداً لا يمكن إنكارها، السينمائي الروسي اندريه تاركوفسكي يقول في كتابه الشهير النحت في الزمن «عاجلاً أو آجلاً سوف يفضح الزمن بلا هوادة، خواء أي عمل لا يعبر عن رؤية شخصية وفريدة للعالم. الخلق الفني ليس مجرد وسيلة لصياغة معلومات توجد على نحو موضوعي وتتطلب فحسب بضع مهارات حرفية. في النهاية، هو الشكل الفعلي لوجود الفنان، وسيلته الوحيدة للتعبير، التي تنتسب إليه وحده « لذلك لا أستغرب كثيراً عندما أرى فناناً أو أديباً يقدم أعمالاً قليلة لكنها خالدة بل وتصنف على أنها من أهم الأعمال حول العالم. أنتج بعض الروائيين أعمالاً قليلة مقارنة بسمعتهم وما قدموه للأدب الإنساني على مر التاريخ، وهنا سأعطي أمثلة على هؤلاء الرواة الذين تعرفت على بعض منهم، أولهم ديفيد سالينغر هو روائي أمريكي، كتب واحدة من أهم روايات القرن العشرين «الحارس في حقل الشوفان» وصدرت له قصص قصيرة بعد وقت طويل على نشره لهذا العمل، وهنالك أيضاً الكاتب اللاتيني وعالم الفيزياء ارنستو ساباتو الذي كتب ثلاث روايات فقط طيلة حياته وهي رواية النفق ورواية أبطال وقبور وأخيراً رواية الجحيم. لم ينشرها تباعاً فمن يتتبع مسيرة إصداراته يجدها متباعدة جداً استغرقت في بعض الأحيان عشرين عاماً، إلا أنها تعد اليوم من أهم الروايات العالمية و شخصياً أعتبر أن رواية النفق هي واحدة من أهم الروايات التي قرأتها على الاطلاق. كذلك هو الحال مع الروائية نيلا لارسن التي سأكتب عن كتابها في هذا المقال، حيث كتبت نيلا لارسن روايتين هما « رمل متحرك» و « زنج» التي نشرت باسم « عبور» لأن ناشرها الفرد نوبف رفض الاسم الأول آنذاك. ولدت نيلا لارسن لأب أسود من إحدى جزر الهند الغربية ولأم دنماركية عام 1891م، انفصلت أمها عن أبيها بعد إنجابها، وتزوجت أمها من رجل آخر، كانت نيلا هي الفرد الوحيد صاحب البشرة الداكنة في العائلة، عملت نيلا ممرضة في نيويورك بعد تخرجها من جامعة فيسك بولاية تينيسي. قدم لنا المترجم السعودي علي المجنوني نيلا لارسن إلى العربية بترجمته لرواية «زنج» الصادرة عن دار أثر عام 2016 م. يقدم لنا الكاتب والمترجم علي المجنوني في مقدمة هذه الرواية لمحة للسياق الثقافي والاجتماعي الذي نشر هذا العمل الأدبي فيه، حيث يعتبر من سرديات العبور ويعرف علي المجنوني العبور على أنه في أبسط صورة: «ادعّاءُ فردٍ من عِرقٍ ما انتماءه إلى عرقٍ آخر أوفر حظاً، وأحرى أن يتمتع المنتمون إليه بمزايا سياسية واقتصادية واجتماعية يسعون إلى احتكارها من دون غيرهم، والعبور بمعناه الواسع سلوك إنساني غائرٌ في التاريخ البشري، ما قد يجعل تقصّيه شأناً مستحيلاً هنا، إلا أن السياق الأمريكي على وجه التحديد قدم حالاًت صارخة ومعقدة، يعني العبورُ فيها، غالباً، عبورَ أفراد من أصول أفريقية على أنهم بِيض.»، وكان التزواج بين المستعمرين الأوروبيين والسكان الأصليين لأمريكا وسكان جزر المحيط الأطلسي والأفارقة الذين جلبوا عبيداً قد أدى إلى اختلاط الأعراق والألوان. وقد ظهرت أصوات عديدة تنادي بضرورة حفظ العرق الأبيض الذي كان متفوقاً آنذاك من هذا الاختلاط، لذلك ظهر قانون يعرف بـ«قانون قطرة الدم الواحدة» الذي شاع في القرن التاسع عشر والذي يقضي باعتبار الفردِ أسودَ أو «زنجياً» لمجرد أن يكون في أسلافه واحد أفريقي، حتى وإن وُلد ببشرة بيضاء وشعر أشقر وعينين زرقاوين. هذا وقد تمكن الكثير من السود الذين يمتازون ببشرتهم البيضاء من الانخراط في أوساط المجتمع الأبيض الذي كان سيرفضهم لو عرف أن بهم قطرة دم سوداء واحدة، والمعروف أن هذه الدعوة التي نادى بها البيض لحفظ أنفسهم من العرق الأسود استندت على أسباب واهية منها سوء الدم الأسود أي أسباب بيولوجية تعلل تأخر وتخلف السود نظراً لطبيعتهم البيولوجية، وأخرى تشير إلى ثقافة السود المتعارف عليها، إلا أن تمكن أفراد سود من العبور إلى المجتمع الأبيض وقدرتهم على الانخراط هناك كانت الرد البليغ على هذه الأقاويل، يكتب المجنوني « لقد وُجدت في العبور فرصة مواتية للبرهنة على أن الهوية مرهونة في الغالب بالبناء الاجتماعي لمجموعة من التصنيفات اعتباطية من جهة وجوهرانية من جهة أخرى وفي حالة التمييز العنصري، برهن العبور العرقي على أن اللون وحده محدد رئيس لهوية تبين أنها ضحلة ضحالة لون البشرة، وهكذا يشكل نجاح الأفراد العابرين عرقياً واستيعاب المجتمع الأبيض لهم هزءا بهشاشة القيم التي ينبني عليها المجتمع وسطحيتها باعتمادها المحض على لون البشرة في تقرير مصائر الأفراد والمجتمعات».

زنج

في الوقت الذهبي لأمريكا، مازالت هنالك امرأة سوداء تتمنى لو أنها تستطيع العبور إلى مجتمع البيض والانخراط فيه، هذا لما يمتاز به هذا المجتمع من مزايا اقتصادية واجتماعية. تنجح كلير في هذه الرواية من العبور من ريف الجنوب الأمريكي إلى نيويورك والزواج من رجل أبيض وإنجاب ابنة منه. كلير تمكنت من العبور الكلي الى مجتمع البيض، لكن صديقتها القديمة التي نشأت معها في نفس المنطقة والتي كانت تربطها بها علاقة حميمة في الطفولة آيرين ردفليد كانت تعبر جزئياً إلى بعض اماكن وتجمعات البيض لتتمكن من التبضع وقضاء بعض الأعمال. لم تتوقع ايرين من لقاء كلير التي عُرفت بسمعتها السيئة بعد وفاة والديها، وهربها مع بيض، لكن كلير كانت سعيدة جداً بهذا اللقاء لأنها تستطيع الحديث مع صديقتها السوداء دون خوف من الأصدقاء القدامى في الجنوب الأمريكي، عن آخر اخبارهم بل وإنها ستطلب لاحقاً حضور حفلات وتجمعات لسود، لأنها تشتاق لأقرانها وتود لو تقترب منهم مجدداً. زوج كلير الأبيض يرفض السود ويمقتهم ويشعر بالقرف لمجرد الاقتراب منهم، لذلك آثرت كلير حفاظاً على عبورها أن تخبئ عنه سر انتمائها للسود، حتى أنها وفي حملها بابنتهما قضت تسعة أشهر في خوف رهيب من أن يظهر العرق الأسود في وليدتها، على خلاف ذلك، كانت تتمتع ايرين رودفليد بالعيش في أسرة منسجمة، حيث تزوجت من رجل أسود جاء معها من الجنوب الأمريكي وانجبت منه. عليّ أن اعترف أن هذه الرواية آسرتني بشكل خاص لأنني مؤخراً بدأت أميل لقراءة الروايات البسيطة في الظاهر لكنها تتحدث عن الكثير، والتي تطلب من أي شخص يقرأها أن لا يفعل ذلك بطريقة نحوية، أن لا يقفل باب الفهم عند حدود الكلمات، بل أن يتلمس تلك الطاقة التي تدفع بها الجمل، ذلك النشاط الحيوي المختبئ والذي يتعذر كتابته.. تعتمد هذه الرواية على الحوار، ولعل حوار آيرين مع كيلر، وحوار آيرين مع براين زوجها، يتصدران المشاهد كلها. ما أعجبني أيضاً وما يهمني كذلك في الآونة الأخيرة، الكتابة عن القضايا الكبيرة والفظيعة لا بالفظائع، بل بالخطوط اليومية في حياة من عاشوا جرائم لا تغتفر. بالمناخ البليد الذي يحيط بالشخصيات، نتعرف على ماضي كل الشخصيات من خلال حوراتهم وندخل إلى قضية العبور دون استخدم ذلك الأسلوب الخطابي التقريري، فنحن لا نجد الإشارة المباشرة لما يعانيه العابرون إلى أوساط البيض، لكن نمط حياتهم وما يواجهونه يومياً يقدم لنا صورة وافية عنه. تقول ايرين لزوجها في جدل حول مسألة العبور: غريب كيف أننا نرفض فكرة العبور لكن نجاح أحدنا في ان يعبر يعد بالنسبة لنا إنجازاً كبيراً، فيجيبها زوجها براين: لان لدينا رغبة لا نعيها غالباً في أن يتمدد العرق مثل كل البشر، ترفض ايرين هذا التبرير وتجده ساذجاً وتفضل إنهاء هذا الحوار لانها لا ترى من ضرورة في مواصلة الحديث فيه. ما يجعل هذه الرواية رائعة ايضاً هو شاعرية نيلا لارسون الكاتبة فهي تكتب في إحدى المقاطع على سبيل المثال: « أجل استمرت الحياة تماما كما كانت عليه من قبل. إنما تغيرت هي وحدها. غيرها معرفة هذا الشيء، إدراكه. كما لو أُشعل عود ثقاب في بيت شديد الإعتام، مظهرا أشكالا شبحية حيث لم يكن سوى ظلالاً مشوشة».،أما عن «زنج» وهي كلمة يعتبرها السود مهينة، فلقد كان زوج كلير ينادي بها زوجته من باب المزاح لأنه يلاحظ أنها كلما تقدمت في السن كلما شحب لونها.و في لقاءات إيرين بكلير وزيارة هذه الأخيرة لبيت إيرين وزوجها براين، تنفتح خطوط جديدة في الرواية، ننظر فيها من منظور معطيات الحياة التي نعرفها جميعاً الى قضايا الزواج والغيرة والصداقة دون أن نشعر أن افتعالاً ما طرأ على القصة لأننا نستمر في قراءة قصة لا يمكن إلا أن تكون حقيقية جداً أي صادقة جداً.

العبور

صحيح إن الرواية تتحدث عن شكل واحد من أشكال العبور وهو العبور باللون، لكننا نعيش أشكالاً مختلفة من العبور هذا ما يجعل نيلا لارسن كاتبة ذكية ورائعة، لأننا وعندما نقرأ «زنج» لنيلا لارسن، نجد تجربتنا الخاصة في العبور، أي أن نكون شيئاً آخر غير ما نحن عليه في الواقع لكي نتمكن من الانخراط في وسط مجتمع ما. وفي تجربة قام بها قسم الأدب الإنجليزي في جامعة Santa Rose JC عرض على طلبة القسم أسئلة عن أشكال العبور وأتيحت لهم الفرصة للتعبير عن تجاربهم الخاصة فيما يتعلق بالعبور مفتتحين هذا النشاط برواية نيلا لارسن هذه. هنالك الكثير منا اليوم، من يدعي أنه يلتزم بما يتبناه هذا المجتمع من قيم على الرغم من أنه يرفضها، لكي لا يرفض بدوره ولكي لا يتم اقصاؤه، هذا بالضبط ما يحس به قارئ هذه الرواية عند قراءتها. إنني أوصي بها بشدة.