في محل لبيع “الانتيكات” في وسط الاسكندرية ، تعمل إمرأة يونانية وزوجها على بيع التحف ، كل شيء يلمع في المحل ، كأن الماضي يبرق عبر اوراق البردي المرسومة على الطاولة ، لم يكن هنالك شيء متكلف على الإطلاق ، ان الأشياء جميلة على نحو بسيط ، وجرى ترتيبها في المحل كما لو ان اتفاقاً حصل بين الماضي والحاضر على شحن جملة من الكثافة الروحية في الدفع بهما معاً بحدة في اللحظة نفسها . عندما دخلت الى المحل ، تلبستني طاقة عجيبة لا قدرة لي على تفسيرها ، واراها الآن مثل المشهد الذي حقق فيه “شين ويست” امنية “ماندي مور” في فيلم المشي الى الذكرى ( Walk To Remmber) عندما أرادت ان تكون في مكانين في الوقت نفسه ، ففعل ان أخذها الى الحدود التي تفصل بين مدينتين لتقف على خط يفصلهما . إنني الآن في هذه الزاوية من العالم أتأمل هذين الغريبين اللذين يعملان بجد على تنظيف المكان في ظهيرة ربيعية ، أحاول أن أتخيل القصة التي اتت بهما إلى هنا ، والمال الذي يجنيانه من هذه المصلحة . تقاطعني السيدة لتقول لي ان شعري الطويل يؤثر في روحها . أليست هذه بداية جيدة للوقوع في غرام هذا المكان. ان تستخدم سيدة عبارة شعرية كهذه للتعبير عن إعجابها ؟ أتنفس الصعداء لأجيب : وهذا المكان يدفع للتأهب للإيمان ، كما لو أنه حدث خارق يصدم اعتقادي . أشرع في إختيار الهدايا من تنويعات الرسومات المصرية القديمة . ثم أتحدث معهما عن الحياة في الإسكندرية ، لقد كانا في الخليج الى وقت قريب ، حتى حان وقت تقاعد الزوج من العمل في احدى شركات النفط الكبرى هناك ، وهذا المحل هو استراحة المحارب الأخيرة ، منفاه من عثرات اللازم من أجل العيش . لا نتوقف عن الحديث طوال هذه الساعات ، هاتفي يدق الآن لكنني أتجاهله بعنف لأنني اصرُ هذه المرة على أنني احظى بوقت جيد ، كما لو أنني اريد أن أؤكد ذلك لنفسي ، خصوصاً وانني دوما ما كنت مستعدة للرد على اي أحد وفي أي وقت . نعرج للحديث عن الأزمة الاقتصادية في اليونان ، أسعار العملة وسرقة السواح . قلتُ لهما قبل أن أغادر:  الجو هنا لطيف للغاية ، هندسة المعمار في الخارج تبدو كما لو انها جزء من طقس هذا المساء ، ضحكت السيدة وقالت لي : كل مكان ستسافرين اليه سيكون جميلاً ، كل مكان ستسكنين فيه لن يكون كذلك . فور سماعي لهذه الكلمات تناهى الى خاطري ذلك الشعور الذي يحس به الانسان عندما يشعر بضآلته أمام الأهرام ، أمام إعصار من الدرجة الرابعة ، العالم بسيط ويمكن شرحه وتفسيره ، انا التي تخاف الأشياء غير الواضحة لا تريد هذا الوضوح المجاني ، لا اريد النظر الينا كما لو أننا جميعاً ننطلق في نفس السباق ومن نفس الخط وباللياقة نفسها لنلقى في النهاية الشريط الأحمر بخواتيمه غير الإستثنائية . اسمع دق جرس الباب وأنا أخرج ، كما لو أنني سمحت لقلبي على سبيل العزاء ان يفصح عن خفقانه المدوي .
اسير في الشارع بحقيبة ظهر تمكنت من وضع الهدايا فيها ، قلائد فضة ومكعبات اهرام صغيرة وقمصان تحمل رسومات كاريكتاروية لمعالم مصرية فاتنة . اتبع وصف الطريق الذي قالته لي السيدة للوصول لمتحف الشاعر قسطنطين كفافيس الذي كتب قصيدة “في انتظار البرابرة” ، قرأتُ قبل سنوات رواية جون ماكسويل كويتزي الجنوب افريقي والتي تحمل ذات العنوان . المتحف مغلق للصيانة ، اجلس بجانبه لالتقط انفاسي ، لا اشعر انني موجودة هناك . احاول التذرع بشيء من الشعر الذي احفظه ، اردد في نفسي بيتاً لمحمد الثبيتي ” “وفاتني الفجر إذ طالت تراويحي” ، أقرر ببساطة ان استدرك هذه المشاعر بالسير الى الشاطئ والإستماع الى فيروز وهي تغني “شط الإسكندرية” مع كل الأسف على النساء العاجزات على الرصيف ، والرجل الذي كان يرتدي فردتي حذاء مختلفتان ، واحدة منهما لسيدة واخرى لا يظهر من ملامحها اي شيء ، ومع كل الأسى على الأمل المهدور في المكان بأن ترمم الثورة المصرية شيئاً من أحلام البسطاء ، وأن تطبع على سبيل القصد رحلاتٍ اكثر حظاً لمن وفرتهم الدنيا لطرق الاسكندرية دون غيرها .

أثبت قدماي على الأرض ، أقتبس هذه القوة وتلك هي اشارة التنصيص خاصتي ، اقول للريح التي تلف المكان بأنني اعرف جيداً مالذي اريده ، ولا يمكن لها اقتلاعي بهذه السهولة ، صحيح انني جئت من بلاد أخرى ، واحتفظ بهذه البلاد في لوني القمحي المخطوف ، لكنني افهم لغة الغربة التي تطفو على صدري في هذه اللحظة ، غربتي عن الجمادات عن فكرة السيدة اليونانية ، عن الفراش الذي لحفت به جسدي البارحة وقد كان اقرب لي من اي شيء وظل غريباً ، لا املك جواباً على الاسكندرية ، لا ابادر في حل الأحاجي ، لست الشخص الذي يحب التوكيد على حضوره في جلسات المثقفين المهتمين بمناقشة ما يهم وما لا يهم في كثير من الأحيان ، يمر بجانبي الآن بائع مزامير خشبية ، يعيد عشرات المرات لكل واحد في طريقه ، طريقة العزف على المزمار ، اشعر انني احب كل شيء في الحياة ، حتى البلاد التي جئت منها والتي ما كفت عن توبيخي بالإغتراب فيها عنها ، لكنه حب من طرف واحد ، يبدو انني متأثرة بالكتاب الذي اقرؤه للمرة الثانية ، بعد ان ابتعته من شارع النبي دانيال بخمس جنيهات في ليلتي الأولى في الاسكندرية ، “رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان”. ربما اكون انا رسالة اخرى الرد عليها لم يطلع عليه احد رغم كل الفضول المتعلق بتفسير كل هذا الاندفاع الذي اعيشه . لطالما آمنتُ أن فؤاد الانسان واحد في كل مكان ، لذلك استنكر نية الإنسان في التسبب بالأذى لآخرين لأنني يوماً لم اكشف عن هذه الخصال في نفسي ، لذا كان بديهياً ان اصدق ان كل افئدة الناس تحس بأن الاغتراب واحد ، ولم يخطر لي يوماً ان الشعور بالإغتراب وملاحظة صولاتي وجولاتي في الحياة كما لو انني اشاهد نفسي بعدسة مكبرة من الخارج هو من اصل “عناد العيش” وبأنها كانت طريقتي في الإحتجاج على “الوضوح المجاني” الذي يقدمه الآخرون عن الحياة . أتعاطف مع السيدة اليونانية ، وأتمنى ليلة سعيدة للإسكندرية قبل ان اودعها في طريق العودة الى مطار برج العرب ، يقلني سائق أجرة مثقف عرفت انه حاز على شهادة دكتوراه في التاريخ ، انظر الى اكوام الملح على جانب الطريق ، والمجمعات السكنية الجديدة التي لا نصيب للفقراء منها ، السيارة تهتز لحفر الإسفلت وتأملاتي تسير إلى الابد الذي سيقطعه موتي.