تدور أحداث هذه الرواية في  بلدة صغيرة موقعها الجنوب الأمريكي تحديداً في ولاية جورجيا. يظهر هذا المكان قصياً ومنفصلاً عن غيره على نحو أسطوري وساحر ، مكان بعيد الا أنه يتكئ على مفردات هذا العالم الذي نعرفه حيث الوحشة والسأم والقلوب المحطمة ونكران الذات ، والحب والخذلان. هنالك شخصيات تظهر أكثر من غيرها في هذا المقهى ، الآنسة ايميليا صاحبة المقهى والتي تعاني من السأم إذ أنها عندما لا تستطيع مواجهة الأشياء تهرب منها، كما حدث عنما سقط الثلج في البلدة لأول مرة ، أقفلت النوافذ والأبواب وجلست في مكانها تنتظر دون أن تفكر في الأمر، على العكس منها تماماً الشخصية الثانية ، المحبوب ، الأحدب لايمن قريب الآنسة ايميليا كما يدعي، و الذي يمثل دور النقيض في هذه الحالة ، حيث يذرع البيت مستثاراً لذات السبب. وهكذا نصل الى الشخصية الثالثة فهو المحب مارفن ميسي زوج الآنسة ايميليا سابقاً ، لكن  زواجهم لسبب ما لم يستمر أكثر من ١٠ أيام.

. المقهى يعد مركز هذه الحكاية، ان فقدنا احد ابطالها يكون قد ابتعد عنه وإن حضرت شخصية بكثافة أو بإلماح ستكون حاضرة فيه لا محالة. يمكن القول ان المقهى يعد  علامة حاسمة في تطور الأحداث والدلالة عليها، وذلك يكون بتجلي العلاقة بين المقهى والحيوات فيه . فنشهد  ذلك التغير من شكل العيش الباهت الى الحيوية اللافتة بتحول المقهى من السكون الى ذروة الحياة بدخول شخصية الأحدب ، المثير الصغير الذي كشف الوجه الآخر للمكان دون أن يرغب في ذلك بل دون أن يفعل شيئاً سوى أن يكون هناك في ذلك الوقت. هذا المقهى كان المكان الوحيد الذي أعاد لسكان البلدة كبريائهم. لكنه يعود في خاتمة الرواية ليصبح مكاناً آخر من تلك الأماكن التي تقتص منهم بعد الخراب الذي حل عليه، نتيجة للتغير الذي ستشهده العلاقات الانسانية فيه. المقهى شهد تحولات طبيعية لكن تلك الحوادث كانت عاصفة بما يكفي لتدمير هذا المكان.

“ثمة سبب أعمق يجعل المقهى ثميناً بالنسبة إلى هذه البلدة. وهذا السبب العميق له علاقة بكبرياء معين لم يكن معلوماً في تلك الأرجاء حتى هذه اللحظة. ولفهم هذا الكبرياء الجديد لابد من تذكر رخص الحياة الإنسانية. دائماً ما كان هنالك أناس كثيرون متجمعون حول مصنع —لكن من النادر أن يكون لدى عائلة ما يكفي من الوجبات والملابس والدهن لتمريره من بيت إلى آخر. يمكن أن تكون الحياة اندفاعاً واحداً طويلاً قاتماً من أجل الحصول على الأشياء المطلوبة للعيش فقط. والنقطة المحيرة هنا أن جميع الأشياء المفيدة لها ثمن، ولا تشترى بغير المال، وتلك هي الطريقة التي يسير بها العالم. لا يستلزم الأمر التفكر لكي تعرف ثمن رزمة من القطن أو ربع جالون من الدبس. لكن لا قيمة وضعت لحياة الإنسان ، إنها وهبت لنا مجاناً وتؤخد من دون دفع ثمن مقابلها. ما قيمتها؟ إن تنظر حولك ستجد القيمة تبدو في بعض الأوقات قليلة أو لا شيء على الإطلاق. غالباً بعد أن تكون قد عرقت وجربت ولم تتحسن الأمور لصالحك، حينها ينتابك شعور عميق في الروح بأنك لا تساوي شيئاً. لكن الكبرياء الجديد الذي جلبه المقهى لهذه البلدة ترك أثرا في كل شخص تقريباً حتى الأطفال، لأنك لست مجبراً على شراء العشاء أو قدحاً من الشراب لكي تجلس في المقهى. كانت هناك مشروبات باردة ومعبأة في في قوارير بسعر خمس سنتات. وحتى ان لم تستطع توفير ذلك المبلغ فإن لدى الآنسة اميليا مشروبا يدعى عصير الكرز يباع بسعر سنت واحد للزجاجة، وكان زهري اللون وحلو الطعم، كان الجميع تقريباً بإستثناء تي ام ويلين المبجل يرتادون المقهى مرة واحدة في الأسبوع على الأقل. يحب الأطفال أن يناموا في منازل غير منازلهم وأن يأكلوا على طاولة طعام الجيران. كذلك كان الناس في البلدة يشعرون بالكبرياء حين يجلسون على طاولة المقهى…هناك يتدنى، لمدة بضع ساعات على الأقل، الإدراك العميق المر بأنك لا تساوي شيئاً ذا بال في هذا العالم”

سكان هذه البلدة يتصرفون على نحو غريب كما لو أنهم كتلة واحدة. لا يوجد تصرفات فردية عدا تلك التي كان عليها مارفن ميسي الذي سجن لفترة طويلة ونبذ من قبل أهل البلدة ، في الأحداث التي تمر على المقهى، يتصرف مواطنوا البلدة كما لو أنهم في مكان آخر. كما لو أن المقهى ساحة نزال، أو خشبة مسرح معلقة في الأعلى بعيداً عن متناول أيديهم. والشاهد على ذلك هو مراقبتهم لكل ما يحدث في المقهى، بداية بليلة زفاف الآنسة ايميليا وانتهاءً بمراقبة ضوء غرفة مكتبها في الليل بينما تقضي وقتها وحيدة ومخذولة. إن هذا أضفى على المقهى خصوصية ما، لقد أحسست كقارئة أنني شريكة في مشاهدة هذا العالم الآخر الذي لا استطيع أن أمنع آو أسمح بما سيحدث فيه في الدقيقة التالية. إنه القدر إذن الذي يجب أن أسلم به فقط.

هنالك مجموعة من الاحداث الغريبة وغير المبررة داخل نسيج الرواية ، وهذا ما يجعلها بالنسبة لي ذات قيمة اكبر لأنها بهذا الشكل مفتوحة على مجموعة لا نهائية من التأويلات، تلك التي يجد القارئ مساحة ليقحم تجربته الخاصة وفهمه عن هذه الحياة ، كأنما يشارك في اكمال الفراغات التي اعرف تمام المعرفة انها مقصودة من قبل الكاتبة، إنها تلك الأشياء التي لا يمكن أن تقال ، فأنت تجيب على سؤال : لماذا تزوجت مارفن ميسي؟ لماذا احبت الأحدب ؟ تماماً مثلما تفعل عندما ترى صديقك قد وقع في حب شخص قد لا يبدو امام الناس البعيدين أنه جدير بصديقك وان الحب بينهما ممكن، لكن لفرط قربك من الانسة ايميليا دون ان تجهد الكاتبة نفسها في تقديم الانسة ايميليا بطريقة صاخبة، تستطيع ان تكون ذلك الصديق المقرب الوحيد الذي سيفهم . عند قراءة الرواية لابد وأنك ستشعر بحرارة القصة لأنها تنقل على حد تعبير احد قرائها “الغلاف الجوي للبلدة” فهي غنائية على نحو مقتصد. وتصف الأشياء بعين سينمائية و ببطء شديد كما لو أنك تشاهد فيلماً من صناعة المخرج اليوناني ثيوأنجلوبولوس حيث اللقطة الطويلة التي تقترب دون أن تفضح الموضوع محل التصوير ، ودون أن تعريه، في لقطات صادمة لكنها ناعمة في ذات الوقت. إن هذا الاقتصاد الذي تمارسه كارسن ماكالرز في هذه الرواية يحقق ذلك النوع من الشعرية الذي لا يتطلب أكثر من القبض على بعض الإيحاءات التي تشكل داخل نفس الملتقي فهماً وطيداً عن الشيء. كما أنها لا تتطرف لصالح احدى شخصياتها، وكأنها تقف على مسافة واحدة منهم، فها هي تبرر لنا سوء سلوك مارفن ميسي ، وتقول أن الجميع بطريقة ما تعرضوا لنفس الألم والوحشة.

“غيّر الحبُّ مارفن ميسي. قبل أن يحب الآنسة أميليا كان من الممكن التساؤلُ عما إنْ كان شخصٌ مثله يحمل في داخله قلبا وروحا. ومع هذا فإن هناك تفسيرا لبشاعة شخصيته، لأن مارفن ميسي مرّ ببدايةٍ قاسيةٍ في هذا العالم. كان أحدَ سبعةِ أطفالٍ غيرِ مرغوبين يصعب تماما أن يُطلق على والديْهِم والدَيْن. كان ذانك الوالدان في صغرهما غليظين يحبان صيد السمك والتجول في المستنقع. أبناؤهما، الذين كانوا يزدادون واحدا في كل عام، لم يكونوا سوى مصدرِ إزعاجٍ بالنسبة لهما. عندما يعودون إلى البيت من المصنع ليلا ينظران إلى الأطفال كما لو كانا يجهلان من أي جهةٍ أتوا. لو صاح الأطفال فإنهم يُضربون، فكان أول ما تعلموه في هذا العالم هو البحث عن أكثر ركن في الغرفة إعتاما ومحاولة إخفاءِ أنفسهم إمّا استطاعوا. كانوا نحافا مثل أشباحٍ شِيبٍ، ولم يكونوا يتكلمون، ولا حتى مع بعضهم بعضا. أخيرا هجرهم والداهما إلى الأبد تاركَيْن إياهم إلى رحمة أهل البلدة. كان شتاءً قاسيا، إذ أُغلق المصنعُ لما يقارب ثلاثة أشهر وكان البؤس في كل مكان. لكن هذه البلدة ليست بلدةً تدع اليتامى البيض يهلكون في الطرقات أمام الأعين. إليكم إذن ماذا حصل: أكبر الأطفال، الذي كان يبلغ الثامنة من العمر، غادر راجلا إلى تشيساو واختفى. لعله استقلّ قطارَ بضائعٍ إلى مكان ما وخرج للعالم، لا أحد يعلم. ثلاثةُ أطفالٍ آخرون تبنّتهم أسرٌ مختلفة في البلدة بشكل موقت، فكانوا ينتقلون من مطبخ إلى آخر، وبسبب كونِهم ضعافا فقد لقوا حتفهم قبل أن يحين عيد الفصح. آخر طفلين كانا مارڤن ميسي وهنري ميسي وأُخذا إلى بيتٍ تعهدهما بالرعاية. كانت هناك امرأةٌ خيّرةٌ في البلدة تُدعى السيدة ميري هيل، أخذت مارڤن ميسي وهنري ميسي وأحبّتهما كما لو كانا ابنيها. رُبّيا في منزلها وقُوبلا بمعاملة حسنة.

لكن قلوبَ الأطفالِ الصغارِ أعضاءٌ مرهفة. إن بدايةً وحشيةً في هذا العالم في وسعها أن تشوهها إلى أشكال غريبة. يمكن أن ينكمش قلبُ طفلٍ مجروحٍ بحيث يغدو بعد ذلك صلبا ومُنَقَّرا إلى الأبد مثل بذرةِ دراق. أو مرة أخرى، قد يتقيح قلبُ طفلٍ كهذا وينتفخ حتى يكون معاناةً تُحمل في الجسد سرعان ما تُغيظها أكثرُ الأشياءِ عاديةً أو تؤذيها. هذا الاحتمال الأخير هو ما حدث لهنري ميسي الذي كان، على عكس أخيه تماما، أطيبَ وألطفَ رجلٍ في البلدة. إنه يُقرِض من أجرته أولئك المُعْسِرين، وفي الأيام الخوالي كان يرعى الأطفال الذين يرتاد آباؤهم المقهى في ليالي السبت. لكنه رجلٌ حَيِيٌّ وعليه تبدو أماراتُ الرجل الذي يحمل في جوفه قلبا متورّما ويعاني. في المقابل، كبُر مارفن ميسي ليكون جريئا وجسورا وقاسيا. استحال قلبه صلبا مثل قرني الشيطان، وفي الوقت الذي سبق حُبَّه للآنسة أميليا لم يجلب لأخيه والمرأة الخيّرة التي ربّته سوى العار والمشكلات.”

إنها رواية رائعة ، وأتمنى من مترجمها أن ينقل لنا بقية قصص هذه المجموعة ، كما أشكره على هذه الترجمة البديعة وعلى اختياره الرائع الذي عودنا عليه.