في ليلة شتائية في الكويت ، اجتمع الحضور لمشاهدة احد افلام المخرج السويدي انغمار بيرغمان في رابطة الأدباء ، وبدعوة من ملتقى سين السينمائي، كنت المسؤولة عن تقديم الفيلم آنذاك. لا اعرف لم إخترت حينها ان أقول، اتمنى لكم ليلة دافئة. يحضرني الآن عند هذه الكتابة بيت شعري من قصيدة طويلة للشاعر اللبناني بسام حجار يقول فيه “المساء يصنع فكرة البيت” . هذا بالضبط ما دفعني لهذه البداية،  ان افلام بيرغمان تصنع فكرة الدفء بتفانٍ كبير، وأنا لا أعرفها الا على هذا النحو، بيرغمان في افلامه التي ترصد العلاقات الانسانية الشائكة ، والتفاصيل بالغة التعقيد في الحياة الإنسانية والتي لم يغفل عنها على الرغم من طرق افلام كثيرة له للأسئلة الكبرى: من خلق الكون؟ وماهو الموت؟ إلا ان ثيمات أعماله الأثيرة بالنسبة لي، هي تلك التي تعالج الطفولة، الماضي، ومواجهة الانسان وحيداً لهذا العالم بحقائقه الموجعة. عند مشاهدة أفلام بيرغمان يحكني جلدي، كأنما يسري شيء شديد السخونة تحته، وتبقى عيناي معلقتان في المشاهد بتطرف لافت للإنتباه، والغريب أن هذا متكرر في كل مرة أشاهد فيها نفس الفيلم الذي فاجئني في المشاهدة الأولى.

tumblr_ngc63rbtf61qzdl57o1_1280

 أما عن  ابرز هذه الأفلام : سوناتة الخريف ، صرخات وهمسات ، العار ، شغف آنا ، القناع . وما تتسم به لا انها تقدم عملاً فنياً تراجيدياً فحسب بل انها تعتمد على التقشف في اعداد الممثلين وفي التركيز على نبش العواطف الدفينة لدى شخصيات قصصها ، فحكاياتهم عادية ، يمكنها ان تكون اي حكاية ، غير خارقة ، لكنها تحمل طاقة الحياة الواقعية بين ثنياته تلك التي ينجح بيرغمان في رصدها . انها من تلك الأفلام التي يمكن ان تسمح لآخر بأن يحرق لك قصتها لكن متعة مشاهدتها لا في معرفة مسار القصة بل في التمكن من مواجهة ما يعريه بيرغمان في ابطال العمل وفي تلك الحرارة التي يطلقها الفؤاد المشترك بيننا كبشر امام هذا النوع من الاعمال الفنية .

شغف آنا :

bergsonata3

صور هذا العمل في جزيرة فارو عام ١٩٦٩ واستمر تصويره ل ٤٦ يوماً ، يحكي الفيلم قصة السيدة آن التي خسرت زوجها وابنها في حادث سير مرير ، تلتقي آنا بأندريس وجيرانه ايفا وزوجها اليكس . في اللقاء الأول بين آن واندريس تطلب منه استخدام هاتفه ، تنسى بعدها حقيبتها في بيت اندريس ، اندريس كان يحاول سماع ما تقوله آن عبر محادثتها الهاتفية ، الامر الذي اثار فضوله ودفعه لتفتيش حقيبتها التي تركتها بينما تستخدم هاتفه . يجد اندريس رسالة زوج آن لها ، والتي يعبر فيها عن رغبته في الانفصال عنها ، لأن الاستمرار في هذه العلاقة سيؤدي الى انهيار عصبي وجسدي. لكن آن تعجز عن مواجهة هذه الحقيقة ، لقد كانت منفعلة طيلة الوقت لصالح فكرتها هي عن هذه العلاقة ، لم تستطع ان تراها الا كحب عظيم ومثالي ، واصرت على ان تدافع عنه بكل قوة . هكذا نعرف آن كشخصية جامحة ، يزعجها عدم الدفاع عن رغباتها الى آخر لحظة ، بينما اندريس فهو على النقيض ، صامت ، وغامض لا نستطيع ان نفهم شخصيته الا من تصرفه البسيط في بعض المواقف ، أما ايفا جارته فهي ضائعة ، لا تعرف ما تريده تماماً . هذا الفيلم مختلف عن بقية افلام بيرغمان ، فهو يعتمد على النثر لنبش القصة وسير الأحداث ، الحورات السافرة والحادة تقدم نفسها للمشاهد . على العكس من فيلم صرخات وهمسات وسوناتة الخريف اللذين يعتمدان على تورية الشعور ، على التقشف في الكلام ، بل ان بيرغمان يصدمنا اكثر في هذا الفيلم عندما يطلب من ممثليه التعبير عن آرائهم حول ادوار الشخصيات التي يلعبونها . وعلى الرغم من ان هذا سيفسد الكثير على المشاهد المتحمس لخوض تجربة بعيدة تماماً عن اللغة كما هي العادة عند مشاهدة افلام بيرغمان ، الا ان الحورات المنثورة من شأنها ان تنقله الى عالم سحري آخر ، بوابته عيون الممثلين وقدراتهم التمثيلية العظيمة . يسأل أندريس : ” ما هذا السم القاتل الذي يقضي على أفضل ما فينا ويتركنا قشوراً فقط” . وفي حوار بين اندريس وايفا تسأل الأخيرة : لماذا كان الطائر يطير بالليل وحده ؟ فيجيبها اندريس: ربما لأنه كان خائفاً من شيء ما . ولا نلاحظ في هذا الفيلم تقنيات بيرغمان المعتادة ، فالكاميرا لا تقترب من الممثلين الا عندما يظهرون بشخصياتهم الحقيقية معبرين عن ارائهم حول شخصيات القصة ، لكننا نشاهد لعباً في الظلال فعندما تقترب ايفا من اندريس مثلاً تتغير الإضاءة في علاقتهم المؤقتة ، بعد ليلة محمومة يقضيانها معاً ، تخون فيها ايفا زوجها اليكس ، نرى هذه المرة ، في حالة الاقتراب هذه،  الظلال وهي تقبل بعضها ، في حالة شبحية للقاء . كما لو أنها ليست حقيقية على الإطلاق .

الشغف حين يتحول الى وحشية :

passionanna

في رواية اسأل الغبار لجون فانتي ، تعبر الشخصية الرئيسية عن قلقلها ازاء تصرفاتها الصبيانية غير المبررة ، ” لكن التعقل لم يكن مجدياً، يمكنني أن اكون عاقلا، لكن هذا لم يكن في دمي ، دمي الذي ابقاني حياً، كان دمي المصبوب داخلي يقول لي ان هذا كان خطأ ، جلست هناك ومنحت نفسي لدمي ، تركته يحملني…” ، كما لو أن حرارة في الاعماق تدفعك الى القفز من على جبل مرتفع الى الهواء الذي سيلمس قلبك ، الى النسمة التي سترتاح حال وصولك الى هدفك البعيد ، تلك التي تتخيلها قبل أن تحط على الارض  ، حتى قبل ان ترى علامة تدل على انك ستصل ، كأنما تتوق لشيء تعرفه ، حملته ما حملته من الحنين والتخييل . هذا بالضبط ما يحرك آن ، هذه الفكرة العنيفة عن بقاء الحب والاخلاص له . وهو ما تبذل له حياتها ، لقد تحولت فورة الدم التي تعصف في اعماقها الى وحشية بغضية فبدأت تقتل خراف الفلاحين في القرية . كان لابد وان تكمل انفعالها على هذا النحو والا ستموت .

كيف يستطيع الانسان ان يكرس نفسه من اجل فكرة يؤمن بها الى هذا الحد ؟ كيف يمكن لآن ان لا تستمر في الحياة بذلك التوازن الذي نتوقعه من امرأة قاست كل هذه الظروف؟ ولماذا علينا في كل مرة أن نتأكد من ان جرح الحياة المفتوح ، ينبض الى الابد بهذه القسوة ، بهذا الجموح ، وبهذه الرغبة التي لن يوقفها الا الموت ، كما قال احد الشعراء ” ان التيه الذي اراه لا يوقفه الا الموت” .