قبل نحو ٤ سنوات، تمت دعوتي الى لقاء مسائي لوداع شاعرة في الكويت، حيث ستسافر لمواصلة دراستها في الخارج، يومها طلبوا مني بعد ان ذاع صيتي ككاتبة في الأرجاء، أن اقرأ نصاً بصوتي على الضيوف، لم أكن أكتب الشعر حينها ولدي محاولات بدائية جداً لكتابة القصة، النص الذي قدمني حينها للناس، كان عن قطط بيتنا التي شهدت كل المسافات بين الأشخاص، تهديد أبي لأمي بأن يطلقها، محاولات جدي لاثبات رجولته في غرفة النوم القريبة، رسالة حبيبة عمي علي الموضوعة في أعلى رف في المكتبة، خلف كتاب ألف ليلة وليلة الذي منعتُ من قراءته، والعشاء الذي يحاول فيه عمي محمد أن يقلد مائدة في فيلم عُرض على mbc ٢.

مع ذلك تحمست لكتابة قصيدة غزلية، ولم أكن اعرف بعد أنني امتلك بفضل القراءة القدرة على ضبط الوزن دون إدراك ذلك، إيقاع قصائد نزار قباني التي حفظتها في المدرسة، و “المفرد بصيغة الجمع” لأدونيس التي بدأت افهمها في ذلك الحين، جميع هذه “الظروف” دفعتني لكتابة قصيدة، كانت في معظم ابياتها موزونة. كنتُ أتحرق شوقاً لقراءتها، ولم يكن لدي من الوقت حتى اعود الى السكن الجامعي الا نصف ساعة فقط، حيث كنا ملزمين بأن نكون في غرفنا في الساعة التاسعة ونصف مساءً، سائق الأجرة ينتظرني في الخارج، أما أنا فلم أكن افكر بشيء عدا أن حلماً صغيراً لم اقصده بدأ بالتوهج، ما ان قرأت، كانت عيون الجميع معلقة نحوي، وحالما انتهيت، كانوا جميعاً يحدقون فيّ بنظرة أعرفها، تماماً كما لو ان شخصاً أحرج نفسه للتو، وترفض أنت من مكانك القريب اليه أن يفعل هذا بنفسه، لم تكن هنالك كلمة واحدة يستطيع أكثر من ١٥ شخصاً في ذلك المجلس قولها لي. كان هنالك ظلام شديد يستهدف ذلك التوهج، واستطاع أن يصل إليه تماماً. قالت شاعرة معروفة يومها، لتحاول تفادي الصمت القاتل آنذاك: ما رأيكم بجمع ابيات شعرية موزونة بأبيات قصيدة النثر. حينها لم أستطع متابعة محاولاتهم هذه للهرب، اضطررت للعودة الى السكن مع حلمٍ تداعى الى آخره.

كنتُ أبلغ من العمر ١٩ عاماً فقط، لم أكن قد قرأت بعد ما سيوقظني، أو على الأقل ما سيدفعني للانتباه الى العالم من حولي. وبدأت منذ ذلك الحين رحلتي الطويلة مع الكتابة، ليالٍ من السهر على الكتابة، محاولات لتقليد من أحبهم، شراء دفاتر صغيرة لمشاريع طارئة في الكتابة، الكثير من القراءة، تدوين ملاحظات عن كل شيء، الاستسلام للإجترار العاطفي في كل مرة أبكي فيها، الامتنان لكل الآلام لأنني بفضلها وحدها سأكتب! لكنني مرة بعد أخرى أكتشف كيف أن رغبتي هذه ما كانت لتكون كافية لكي أكون كاتبة جيدة. في كل مرة أشارك فيها نصاً مع الآخرين على استحياء كبير، لا أجد التفاعل الذي يعني انني امتلك تجربة جديرة بالاستمرار في هذا كله، اشعر بأنني محاطة بمن يعرفون ان مسألة الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد مزحة على الاطلاق، إنني جادة في كون لحظة الخلق تلك هي الحياة التي اجد نفسي فيها، هي قدماي على هذا الأرض، هي قوى الجاذبية، لأنني اطير بعيداً، أنا غيمة لينة كما يقول زوجي، إنني حالمة على نحو مفرط ومؤلم للغاية، أكاد لا اعرف شيئاً من الواقع، والكتابة وحدها ورطتي التي جعلتني اسقط دون أن أنكسر. لذا أجد ان من يعرفونني مضطرون لكي ينتبهوا لما أكتب، لا عن حب ورغبة لما سأكتب وإنما عن حب كبير للكاتبة التي ستموت لو عرفت أن اعتقادها بأنها يوماً ما ستكون كاتبة مجرد خرافة أخرى. اقرر الهرب، أحذف حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي، أتخفى وراء معرفات بأسماء مستعارة، وذلك الحرج الشديد الذي يصاحب مشاركة أي نص جديد، من كوني صبيانية الى هذا الحد الذي الح فيه على الكتابة، التي لا تعطيني ابداً ما يكفي لكي أقول أي شيء جدير بالقراءة، والتي تجعلني اعود الى ذلك المجلس في الكويت بأشخاص أكثر في كل مرة.

عندما شاهدت فيلم LA LA LAND  الذي يعرض هذه الأيام في دور سينما مسقط، بكيت كثيراً عندما صرخت بطلة الفيلم التي سئمتْ من عدم نجاحها في تجارب الأداء لكي تصبح ممثلة في كل مرة، فحتى عندما كتبت مسرحيتها الخاصة لتراهن على قدرتها على التمثيل والكتابة، تفاجأت بأن عدد الحاضرين قليل، حتى أنها لن تتمكن من دفع قيمة ايجار الصالة التي حجزتها لأداء مسرحيتها تلك. و التي مثلت فيها لوحدها، عن امرأة تنطلق للعالم كله من غرفتها. سمعتْ بعدما انتهت من أداء المسرحية، احد الحضور يعلق عن مدى فشلها في التمثيل وذكر شيئاً من المسرحية التي لم نشاهدها بدورنا حين قال: ثم ما قصة تلك النافذة؟ (لقد صرعتنا بالنافذة)، حينها قررتْ أن تتوقف عن المضي قدماً في هذا كله وأن لا تحرج نفسها أكثر بعد الآن. لم أتمالك نفسي، تذكرتُ القطط الغبية التي كتبتُ عنها، وغرفتي، وحاجبي الذي نتفته لأول مرة في ٢١ من عمري، المزهرية التي قتلت سيدة في دار المسنين، المرآة التي حطمت امرأة على البحر، النسمة التي ستحرك شعري باتجاه آخر غير الزاوية التي يجلس فيها الرجل الذي أحب، لون الفاكهة الاستوائية الذي يتغير في صحراء عمان ليصير شاهداً على فشل الأرض، والعيون التي أكره أنها دليل على أحشاء الآخرين، كان هنالك في أعمق نقطة في قلبي صوت مدوٍ يقول: “لقد صرعتنا بهذا كله”.

لكن الممثلة تعود في مشهد لاحق، يستخدم فيه المخرج كاميرا مثبتة على وجهها، عيناها تنظران إلينا وتغني لنا : المجد للحالمين الأغبياء، نخب الحالمين مهما بدو أغبياء.

طوال الفيلم كان باب قاعة السينما لا ينغلق تماماً، الناس تنسحب من صالة العرض، ووحدي هنالك مؤمنة أن قوة ما أرادتني له، أنني مدعوة للعشاء لشخصين فقط أنا والفيلم، نشرب نخب الحلم ونبدو اغبياء كما نريد دون أن نضطر لأن ندعي أن بإمكاننا أن نكون أي شيء آخر عبقري وذو جدوى. الأغاني التي في الفيلم حفظتها لكي أعود للمرة الثانية مع زوجي هذه المرة لمشاهدته، وأغني مع البطل : مدينة النجوم هل تبرق نجومك لي وحدي؟ مدينة النجوم هل ما أعيشه حقيقة أم هو حلم آخر لن يتحقق؟

مدينة النجوممدينة النجوم