عندما كنا صغاراً، كنا نصدق كل شيء، نصدّق أن ثمة بلدة يموت فيها الأطفال إذا ما عصوا آبائهم، أن الطائرة الورقية تلمس السماء وتجرحها. كنتُ أصدق أن الوادي الذي بجانب بيتنا يمكنه أن يحتفظ بالأسرار اذا ما قلتها بعيداً عن الشجرة التي تثمر ثماراً سامة، وكنتُ أصدق أن العالم صغير، أن العالم هو البيت والوادي، ومنزل جدتي بجانب البحر حيث يسكن المعدمون عادة، أما نحن أصحاب الكفاية والحظ الوافر فنسكن في البر بعيداً عن البحر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. نسكن في بيوت كبيرة، أهم ما يميزها ذلك الضياع بين الأشياء التي تتشابه.

هأنذا أكبرُ، ورأسي متطاول فوق الأرض، يبحث عن نجمة ليقطفها، ويستدعي مجازاً ليقول ذلك دون أن يؤذي العائلة وأهالي القرية وجدتي التي تسكن بجانب البحر. أما لو أراد أن يعترف بالأشياء كما هي، فلا شك بأنه سيسمي الحب في أول الطابور. لقد ركضت للحب من كل الأبواب، وعندما لم أصل. انتزعت النوافذ وتركت المسامير في قلبي، تدق من الخوف، وتترك آثاراً دامية. عندما قرأ أبي نصاً ادبياً لي كنت قد شاركت به في المدرسة في الصف العاشر في مسابقة للكتابة، انتفض، كما لو أن شيئاً للتو هزم طفولة البيت، ودفعه خارج الهواء الحلمي الى الواقع، إلى أول أشكال المشاكسة، إلى أطول الدروب التي لا عودة منها. وظننت بأننا جميعاً في المركبِ نفسه، نقطع شراعنا القديم. لم أعرف أنني وحدي على الطريق، والشراع يسقط من مكانه ليحجب عن رئتيَّ البيت والوادي وجدتي بجانب البحر.

مثل كل المبتدئين في الثورة، مثل كل المهزومين قبل الخوض فيها، أسأل دون خجل أو مواربة، هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ أسأل أصدقائي الذي يندفعون واحداً تلو الآخر لسجون الأمن في بلادي، هل يستحق الأمر لحظة واحدة من قدرتك على أن تفعل ما تريد في الوقت الذي تريد؟ أسألُ، لا بدافع البلاد، لا بدافع الأرض، لا بدافع الحرية، بل لأن الحب هو الآخر استعارة السجن الأكثر مخاتلة، وأنا وحدي في الطريق، أجرب وحدي وأنهزم وحدي ولا أريد العودة الى البيت والوادي ومنزل جدتي بجانب البحر لوحدي بعد الآن.

يظل الإنسان وحيداً في بيت جسمه. لا أعرف أين قرأت هذه العبارة، لكنها أصابتني بكرب من نوع لا أستحقه، فلا أنا في العمر الذي يحق للخريف فيه أن يأخذ حظه من كل شيء، ولا أنا صبيانية كأول الربيع الذي تظن فيه الأرض أنها لن تجدب مرة أخرى. إنني في حريق الصيف على أن أستعر الآن، أن أتوهج، مثل اللون الأصفر المصقول، لا كوردة بلاستيكية، بل كحقل فلاح يحتفظ بنفسه لأطول قدر ممكن من الوقت. كنت عائدة إلى البيت بصحبة صديقتي التي ظلت تخبئ كل هذه الهواجس في صدرها دون أن تضطر يوماً لاستخدامها لتثبت لنا كما هي شاعرة في العمق، قلت لها، ما الذي يجعلك تبتعدين عن البيت؟ على الرغم من كل هذا التعب الذي يطالك في العمل، أنتِ تملكين غرفة رائعة في بيتك، ومالاً يسد حاجتك، وفرصة للبقاء بعيدة عن أعين الآخرين. قالت لي: أخاف من تقدم أمي في العمر، أخاف من رؤيتها تكبر. صمتنا وقطعتُ هذا الصمت بأن أطفأت إضاءة السيارة وخرجت لأساعدها في حمل أغراضها في هذه الزيارة الخاطفة لبيتها. بعد هذا اللقاء كنت أعود للمرة الأولى للطريق وأنا غير وحيدة، معي هزائم كل البشر، معلقة على صدري بتلك المسامير القديمة، أقبل هذا الحكم العادي وأعرف انني لست ثائرة بالمرة، وأستعيد البيت والوادي ومنزل جدتي عند البحر.