كيف تكون الكتابة ممكنة عن عمل كهذا. عن متحف كبير، وخلافاً لبقية المتاحف يتمتع بالحياة الكاملة، حيث يؤدي كل شخص فيه دوره الحقيقي تماماً، لا إنه ليس متحفاً عادياً بالمرة، لأنك لا يمكن أن تتنزه فيه دون أن تشق روحك نفسها، دون أن تنفتح على الحياة بكل ما فيها. ليست قصة كلاسيكية ولا ينبغي لها أن تكون فكما يقول بطلها الذي نولد معه ونموت معه “القصة الكلاسيكية عبارة عن الغاء الامكانيات التي تصيبك من كل جهة. وقبل أن تركز انتباهك الى العالم تجده مملوءاً بأشكال ودهاليز متوازية. كل المخارج لا تنتعش الا في ارض التردد والتراوح… أحاول أن أترك مساحة لحدوث روايات أخرى و تجويفات في التأريخ والحكاية، وممرات، وأصوات، وحجرات زائدة، وحكايات غير مغلقة، وكذلك أسرار لن نختلس النظر إليها…أما هنا حيث لم تنجب الحكاية اقتراب الخطيئة، فليت كان التردد معنا” لذلك فإن ما يفعله الكاتب في هذه الرواية ليس أكثر من اقتناص كل ما يمكن اقتناصه من العالم ووضعه في هذه الصفحات، دون أن تشعر بأي نشاز، في إيقاع واحد، وخارق، نعم هي هذه هي الكلمة المناسبة “خارق”. تاركوفسكي المخرج الروسي العظيم قال في كتابه الشهير “النحت في الزمن” ان الفنان عندما يجرب يجب أن يفعل ذلك بعد أن يعرف تماماً مالذي يريد ان يجربه وكيف ينبغي له أن يجرب، وهذا ما يقدمه لنا غيورغي غوسبودينوف فهو يعرف تماماً بل ويقول لنا أنه يحتفظ بالحكايات في علبة خضراء.

يا إلهي كيف تمكن هذا الكاتب من نقلنا من “الف ليلة وليلة” إلى فيزياء الكم ، إلى الشيوعية، الى طبيعة الحياة في بلغاريا، كيف تمكن كاتب واحد في عمل واحد أن يكتب قوائم بالأشياء التافهة ويقول “في البدء كانت القائمة” ثم يكتب ان ترتيب الأشياء في قوائم يقف ورائه ميل مضطرب. كيف يستطيع كاتب أن يدخلك معه الى قبو لسنين طويلة حيث يعيش، يعرف تغير الفصول من تغير احذية المشاة على الطريق المجاور لذلك القبو. يخرجك سريعاً الى أشهر فنادق العالم، الى مدن العالم المختلفة ثم يفتح أمامك خريطة كبيرة ليضع علامات على الأماكن التي زارها ليكتشف فيما بعد أنها تشكل الحرف الأول من اسم حبيبته الذي رغب كل ذلك الوقت وبهذا السفر تحديداً أن ينساها. عملٌ خارق، لا شكل له، هل هي يوميات؟ ليس من المهم أن نعرف، عند الكلمة الأخيرة تشعر أنك ستودع انساناً من لحم ودم، وأن دمه طوال صفحات الكتاب قد استثار دمك، حتى حسبت أنك هو، وأنك على مرمى من الغياب عن نفسك.

في البداية يتقمص شخصية جده، منذ ان تُرك وحيداً، كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات، ونخوض مع جده لحظات عودته الى أمه وأخواته، وصولاً الى مشاركته في الحرب في هنغاريا وانجابه لابنه هناك، ثم يتقمص وجود والده، وصديقه غاستون الذي لا يحب التقاط الصور وقرر أن يعود للعيش في الماضي قبل ٦٠ سنة من الآن ويموت قبل ٦٠ سنة من الآن. ولا ينسى الكاتب ان يشركنا الكثير عن هذا المرض الذي يسميه: مرض التقمص الوجداني. حيث الشعور بالآخر وانفعالاته وأحاسيسه. يكتب عن الكتابة والقراءة والمكتبات، عن الطريق، الطريق كما هو لا تظن أنني أمزح او استخدم استعارة هنا، يكتب بقلبه كاملاً، يا الهي كيف سأستطيع تجاوز هذا الجنون! معه اكتشفت متعة جديدة للقراءة حتى أنني نسيت انني اكتب، وتمنيت لوهلة أن استمر في القراءة له للأبد. وهو لا يقول لك أنه بعيد، لا يفعل ذلك ابداً بل على العكس من ذلك يشير الى تواريخ قريبة ٢٠١٠، ويسمي أشياء نعرفها اليوم، الآن في هذه اللحظة، في تماس كامل معها دون أن يخل ذلك بالحلم داخل هذه الرواية، بالتحليق الحر في سماء بعيدة تماماً، ويقول معتذراً “لحسن الحظ، فإن الأمور التي تشغل بالي لا وزن لها. الماضي، الحزن، والأدب. لا أهتم الا بهذه الحيتان الثلاثة العديمة الوزن. “وبدون أن تشعر، بخفة كبيرة يقول لك عن ذلك الخلاف المزعوم بين الأدب والعلوم الطبيعية. ها ها ها مضحك جداً، أحياناً تشعر أن من يكتب ثمة طفل يقفز في دمه ويفاجئك في لحظة أخرى أن من يكتب شيخ كهل. لا تظن أن هذا المتحف سيغفل عن الحيوانات وآلامها ووجدانها، عندما قلت في البداية أن المتحف يضم كل شيء، فهذا يعني أنه لا يتجاهل حتى ظل زهرة لا ينظر اليها أحد . انها رواية لا تتجاهل احد، لا تتجاهل شيء، لأنها ببساطة ترى السمو في كل مكان. سأبدأ الآن بالبحث عن الكاتب كل لقائته المسجلة، المكان الذي يعيش فيه، كل شيء كل شيء.

 كم أحسد كل الذين لم يعيشوا تجربة هذا العمل الأدبي بعد.

أمل / رواية فيزياء الحزن ، غيورغي غوسبودينوف

20/1/2017

الساعة ١٠ مساءً

بعد انهاء قراءة الرواية مباشرة