من وحي سيدة تحب الأشجار وتبكي هذه الليلة، فيتكاثف سواد الليل في غابات تمتد الى أرض بعيدة. من وحي صديقتي التي أحب، كتبتُ هذا النص، لأوثق كل هذا البكاء وكل هذه الهشاشة.

….

غمامةٌ من اللون الأخضر تطوق المكان، يدٌ نحيلة تمتدُ الى الكتاب على الطاولة، تقرأ كتاباً عن النخل، لا نعرف كيف تحب هذه السيدة الصغيرة كل هذا اللون، ربما هي تفعل، مثلما تحب سيدة آسيوية أن تبدو عينيها أكبر مما هي عليه، مثلما يحب فنان ان يرسم لوحة انطباعية عن لحظة تواري السماء “تماماً” خلف سحبٍ كثيفة، مثلما تظهر تكشيرة على وجه ممثل في المشهد المناسب، ويصبح على اثرها نجماً لامعاً، مثل كل الأشياء الناعمة التي تتسلل كالرمح في جدار ظنناه صلباً وعاجزاً، مثل لون دافئ في حلقة الخياطة لسيدة عجوز صارت تميز أن هذا اللون لابد وأن يفاجئ توقد الخيوط الأخرى في معركة وجودها، تعرف اللحظة المناسبة لكي تطعم خياطتها هذا الهدوء، هذا الصوت الخافت والذي سيصرخ أكثر من البقية.

هذه السيدة القادمة من صحراء نجد، تحب اللون الأخضر، وتبدو لي في أحلام يقظتي وكأنها تستخدم ورقة شجر الموز الكبيرة كملحفة.

 

تقوم السيدة من مكانها، الأرض لا تحس بها، لا لفرط الخفة، وإنما للونها الذي لا يعرف الصمت كما يَطلبُ منه الجميع أن يفعل، وسيظنُ الناس أنها استعارة إذا ما قلت انها عندما تحزن تشرب الكثير من الماء كي لا تبكي. تضع كتابها على المنضدة، ترتب ما تركته في الليلة الماضية، عبوات الماء بجانب طلاء الأظافر بألوانه الثلاثة الفاتحة، وينتابها في تلك اللحظة على وجه التحديد، شعور بغيابها وتبدو غير متأكدة من الضفاف التي ظلت ترطبُ أقدامها فيها، وتخسر طاقتها في هذه الفكرة، ويبدو العالم بالنسبة لها كما لو انه مثل ام توهمت أن طفلها نطق كلمته الأولى، كان الطفل قد نادى شيئاً لكنها ظنت أنها كانت تتوهم. وكضباب لا يمكن ملاحظته على زجاج السيارة الأمامية، ترتكب هذه السيدة الأمل من جديد. فتجترح من كل شيء إسماً جديداً، من الصحراء، من البادية، من امثولات جدتها، من مفردات لهجتها، من القبيلة، من القانون الذي يحطم النساء في بلادها، من الحافلات التي تقل المعلمات في ساعة مبكرة من الفجر، من المحلات التي تضع أسماء أصحابها الرباعية في اليافطة الخاصة بها، ومن كل فسحة صغيرة لقول لا على هذا كله، أو نعم بلون أخضر.

 

بينما تمشي الى غرفتها في آخر الممر، لا تتعثر الا بلونها، لكنها لا تبالي، فهذا الخطأ السخيف الذي ما ينفك أن يتكرر، ينفرط مثل مفردات لا معنى لها في محاولة رديئة لكتابة قصيدة جيدة، تمشي دون أن تتخايل كنوع من مقاومة رصينة تتخيلها لنفسها إذ أن قلبها مائل بما يكفي، كانت مشاءةً محترفة، لم يظن احد انها ستشارك يوماً في أي سباق، لأنها تمشي بتباطؤ قل نظيره في هذا الزمن، لا اعرف لم ظلت تطرق أبواب الغرف في ذلك الممر وتنادي مثل “بانديتي” في “ملحمة جون فانتي” بصوت مسعور : الايام الكئيبة الحزينة، الايام الكئيبة الحزينة، الايام الكئيبة الحزينة. وكانت تلك الكآبة لاتشبه كل ما عرفه أهالي شبه الجزيرة العربية عن هذا النوع من الحزن اذا أنها كانت وبشكل مرعبٍ اياماً كئيبة وحزينة وم ل و ن ة.