عندما أفتح هذه الورقة للكتابة، أدرس كل الإمكانيات التي ستخفق مجدداً، أخفف اضاءة جهاز الحاسب الآلي، لكي يبدو هذا البياض الذي يواجهني أكثر انسجاما معي، مائل لزرقةٍ خافتة، أزرق في طريقه لكي يكون رمادياً يوماً ما، أو أسود تماماً اذا ما قررتُ أن أتوقف عن الكتابة وأغلقت الحاسب الآلي، هكذا دون تردد.

الحياة أمامي في هذه اللحظة لوحة أعلقها فوق جهاز التلفاز، وأنا على أريكة زيتية أطفئ كل شيء عدا عيناي اللتان تتعلقان هناك. أُكبرُ الخط الآن على الورقة، كي أرى أنني كتبت سطوراً أكثر، وعبرتُ الشق الأصعب في الكتابة، كي أتأكد من أنني أتدفق كنهرٍ في مدينة ممطرة على الدوام. ما الذي سيحل بجدي لو أنه عرف ذات يومٍ أن حفيدته شاعرة؟ هل سيمرر أصابعه في لحيته البيضاء الطويلة، ليعرف أن لونها لم يغب، وإنما انتقل بالدم لهذه الطفلة الشقية؟ عندما يجلس العصر مع منظاره الذي لطالما امسكه ليراقب الغنم وهي تتقدم في الوادي بجانب بيتنا، هل سيفكر فيما لو أنني سأذكرها في قصيدة ما؟ مالذي سيحل بجدي إذا ما عرف أنني يوماً لم أكتب قصيدة عن “البطاطا الحلوة” التي منعنا من قطفها لأننا نعفر التراب في وجوهنا ضاحكين من الوقت الذي لا يعني شيئاً في ذلك الحين. كتبتُ أنني لم أشارك في حفلة التراب هذه، كنت منشغلة بمراقبة الأولاد والفتيات الذين يقذفون بعضهم بكرات الرمل المدورة والمعجونة بأرواحهم الملونة والبريئة.

هل سيحبني جدي لو عرف أنني أكتب الشعر؟

والآن عندما يجلس مستسلماً لأمراضه الكثيرة، يُعد نفسه منذ الصباح لكل أقراص الدواء التي سيتناولها في المساء، هل يعرف انني أتجاهل بغير قصد “الروماتيزم” الذي يحط من قدر الأقدام المشاءة الى المزارع، والوديان والجبال المرتفعة؟ أزيد من ضوء الشاشة الآن كي أتأكد من أنني أتهجى الكلمات بدقة. ربما سينتاب جدي الرعب، اذ انني سأُضمن شعري شتائمه الغليظة ومعاملته القاسية لجدتي قبل أن تموت بينما كانا يجلسان تحت سدرة الحوش، يشرب الشاي بالحليب وتقترح عليه أن يشتري حليباً سائلاً في المرة القادمة، وألا يطفئ المكيف عن الصبية المتعبين من العمل في الحقل. هل يفكر جدي انني إذا ما كتبت قصيدة الحب، سأعري نفس أمام العالم. وأنني حينها لا أستحق هذا الدم الذي يركض في أوردتي؟ كيف أبرر لجدي انني يوماً لم اكتب عن ظل شجرة حانية في هذه القرية التي تعذبني حتى وأنا في مكان آخر بعيد الآن. جدي الآن في اللوحة، وحده هناك، يناديني “سيدتي” كما يفعل دوماً، يسألني عن الأطفال الذين يموتون في بطني كل يوم قبل أن أنجبهم، يسألني عن العمر الذي يمضي ولم يقل لي أحدهم يوماً: ماما. يريد جدي للون لحيته أن يتمدد أكثر، يريد ورثة أكثر على الدوام.

الشمس تقترب الآن، شِعري هذا البوق الهائج الذي لا يشير لا إلى الأشجار ولا السماء الصقلية ولا أغنام جدي ولا سعاله في هذا الوقت المتأخر من الكتابة يلامس الشمس فيحترق، وحده هذا الشحوب الذي يتقاطر في روحي، مثل نافذة مشرعة على ضباب يلقنها درس التهويدات التي لا معنى لها، أركض الى كلمة انكسار، اصر على دسها في هذه الورقة، وأرفع مجدداً من اضاءة جهاز الحاسب الآلي، وأعد الوقت الذي بقي من المسافة لتلك الحجرات الضيقة التي ما انفككت أكتب عنها بلا ملل، مثل امرأة من الطبقة المتوسطة تدعي أنها يوماً لم تعرف الساقية ولم تستند على شجرة جوز الهند الطويلة، ولم تأكل من التوت البري الا من محلات السوبر ماركت. آه ما أحزن جدي إذا ما عرف يوماً أنني شاعرة.

 

الثلاثاء

14/2/2017

مساء كئيب في بوشر. ابدو مشوشة وحزينة.

أمل…