عندما دخلت الجرافات الى حوش البيت في قرية شمالية بعمان ، استعداداً لاقتلاع اشجار النخيل اليانعة ، ليتمكن الابن من بناء بيته هناك بعد ان تقدم به العمر ، بكت أمه كثيراً ، ولولا انني شهدتُ هذا بأم عينيّ لما صدقت ابداً ذلك الحزن الذي احدثه صوت الجرافات وتقدمها نحو هدفها ، ان وجع خسارة هذه الأشياء كبير جداً ولا يمكن احتماله . عويل الأم نبه الجيران ، لأن هذه التي كانت صامتة طوال الفترة الماضية ، ازاء كل الآلام وامتحانات الحياة كخسارة زوجها واحد ابنائها لم تعد قادرة على تمالك نفسها وهي تشاهد النخيل تجتث من تربتها ، فلقد واثبت على رعايتها ، حتى انها اطلقت عليها اسماءً تميزها ، وتحدثت معها طويلاً . هكذا هو حال الإنسان المرتبك في هذا العالم والذي لا ينفك من البحث عن المعنى ، دافعاً كل امكاناته من أجل تقفي ذلك الشيء الذي سيشغف به او سيقضي معه بقية حياته تزجية للوقت . فهنالك من يربي الحيوانات ، وآخرون ينجبون الكثير من الأبناء ، والبعض يقضي حياته مسافراً من مكان لآخر ، وغيرها من المشارب التي تحصل على مجنديها اين وكيفما كانت . لكن مالذي سيحصل لو أن الإنسان فقد هذا الشيء الذي وجد برفقته متعة الحياة ولطفها ؟ في الفيلم الهندي Guzaarish لمخرجه Sanjay Leela Bhansali والذي انتج عام 2010 تعرض ساحر لحادث أثناء تقديمه لأحد العروض السحرية مما تسبب في شلله وعدم قدرته على الحركة ، تقدم حينها بطلب للمحكمة يطلب فيه تنفيذ حكم القتل بدافع الرحمة . لا يبدو هذا غريباً فلقد قضى الساحر جل حياته في ممارسة العابه السحرية وكرس حياته لأجل عمله هذا فإن هو فقد هذا العمل مالذي سيحصل له ؟ وكيف يمكن احتمال الفراغ الذي يلسع ببرودته في تلك المنطقة التي لا يعود للانسان فيها ما يملكه وما يسليه . هذا هو موضوع الفيلم الايسلندي الرائع Rams لمخرجه Grimur Hakonarson والذي تم انتاجه عام ٢٠١٥ . 
تحكي القصة عن علاقة اخوين لم يتحدثا منذ اربعين عاماً في احدى قرى ايسلندا الفاتنة بطبيعتها الساحرة ، تدور حياة هذين الأخوين حول تربية الخراف ، ويدخلان في سباق لتحديد صاحب الخروف الاكثر صحة وتألقاً. وفي بداية اجتماع اهل القرية السنوي للاحتفال بتويج الخروف الفائز يقرأ احد الحضور قصيدة في مديح تربية الخراف يقول فيها : 
“لا شيء أكثر أهمية في أي وقت مضى لهذه الأمة

من البقاء على قيد الحياة

في أرض الجليد والنار

وفي كل حالة

قوية وصعبة لـمواجهة كل المحن

لألف سنة يا صديقي ولانقاذ البشرية

كل يوم.

في الفرح والمعاناة

تتشابك حياة الغنم مع راعيها وعمله الشاق ومثابرته

إذا كانت أغنامنا سعيدة

الشمس ستدفئنا ويباركنا الرب

إذا كانت أغنامنا غير راضية

ستظلم وتغدرنا ليالينا ”
ومن هنا تنطلق حكاية اكتشاف العلاقة بين مزرعة الفلاحين في هذه القرية وخرافهم ، وذلك التنافس الشرس بين الاخوين لتفوق كل منهما على الاخر . يظهر الفيلم وعلى الرغم من ايقاعه الهادئ ، خاطفاً للأنفاس ، خصوصاً بعد ان تحل المصيبة على فلاحي مزارع هذه القرية . والتي يضطر فيها الاخوين لمواجهة بعضهما . غودموندور بودفارسون الأخ المتوحد بطل هذه القصة والذي ادى دوره الممثل Sigurður Sigurjónsson يعيش حياته كلها مع خرافه ، حتى انه يحتفل بليلة عيد الميلاد لوحده على الرغم من ان اخوه يشاركه نفس المزرعة ويفصل بينهما سياج وحيد يمكن اجتيازه بسهولة كما سنرى خلال سير قصة الفيلم . 

الفيلم منذ البداية وحتى آخر مشهد يثير الشاعرية والدفء ، كل تفاصيله حميمة بداية بمشهد الريح التي تحرك الاعشاب والاشجار في المشهد الاول وحشود الخراف ، وملابس الناس وتسريحاتهم ، قميص جومي الممزق ، والكلب الذي يوصل الرسائل المتبادلة بين الأخوين ، مناظر القرية ساحرة للغاية ، حتى عند حلول الشتاء ، تلك اللوحات التي التقطها المخرج بالغة في التأثير ، عندما كنت اشاهد الفيلم تمنيت لو انني هناك وسط تلك المراعي البيضاء فيما شعرت صديقتي التي شاهدته بصحبتي انها مستاءة من منظر الثلوج ، بل انها تشعر بالكآبة من هذه الصور ، وهذا ان دل على شيء يدل على نجاح تلك الصور في لمسنا في الاعماق . وعلى الرغم من ان هذه الصور قاتمة في هذا الفيلم الا ان كثيراً من الجمهور اعتبروه فيلماً كوميدياً في بعض اجزائه ، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي ، لقد كان اكثر شفافية من ان ينحاز الى الدفع بأي عاطفة كانت ، انه صادق جداً ، واقعي ، لا يستند على الاحداث الخارقة ، انها تجيء كيفما اتفق لها ان تكون في اي مكان .
نال الفيلم العديد من الجوائز وتقييمات عالية من النقاد والجمهور قال عنه المخرج Tom McCarthy مخرج فيلم SPOTLIGHT :” لقد سحرني في البداية ، ثم ما لبث مع تصاعد الاحداث بأن أثارني عاطفياً ، وهذا لا يحدث كثيراً ، لقد الهب عاطفتي فجأة” .