ارتبطت زهرة الكاميليا بالكثير من الأساطير ، واحدة من هذه الاساطير هو افتراض الفأل السيء فيما لو سقطت الزهرة كاملة دفعة واحدة ، فهذه الزهرة دون غيرها اتفق على انها تخسر في كل مرة بتلة من بتلاتها ، خصوصاً كاميلية تسوباكي – ديرا ، والتي كانت عبارة عن شجرة كبيرة ، يقال ان عمرها اربعة قرون وتحمل الواناً مختلفة من الأزهار ، وبدلاً من ان تتساقط دفعة واحدة ، كانت تسقط بتلاتها لذلك سميت بـ”الكاميليات منزوعة البتلات” . هكذا يجري الأمر اذن بالنسبة لنا نحن البشر ، اننا تلك الزهرة التي تخسر في كل يوم جديد بتلة من وجودها ، لأننا نخسر الزمن الذي يمضي الى حتفنا دون هوادة ، وهذا هو موضوع رواية الجميلات النائمات للياباني ياسوناري كاواباتا . حيث نتتبع مع الكاتب سيرة الشيخوخة الحزينة ، الوقت الذي يفقد فيه الإنسان رغبته ، والذي يعرف فيه انه بات مجرداً من اندفاع الشباب وذلك الإلحاح على طلب المتع وتلبيتها . 
لطالما اعتبرت الرغبة ، سؤالاً لم يكف الانسان عن الدوران حوله بغية الإجابة عليه ، لأن الرغبة دفعته الى ان يفعل اشياء كثيرة تقوم عليها حضارتنا اليوم ، ولانها تمثل السوط الداخلي الذي يعذب الانسان لتدفعه حتى لإرتكاب الرذائل ، عينت على انها السبب في الإنحراف ، حتى ان الكثير من القراءات ترجع بداية الصراع بين البشر الى صراعهم على نيل مقربة النساء ، وفي قراءات اخرى رأينا كيف ان النصوص الدينية تقول بأن سبب نزول الإنسان من الجنة هو انجرافه وراء رغبته في تناول فاكهة الشجرة المحرمة ، فما كان من الكثير من الاديان الى النزوع الى التعامل مع هذه الرغبات إما بفرض التشريعات لاحاطتها ، او الحرص على مقاومتها كلياً كما هو الحال في الديانة الهندوسية التي يتخلص رجال الدين فيها من رغباتهم وينطلقون في الارض الخلاء ، برداء برتقالي دون ان يستقروا في مكان ودون ان يرغبوا حتى في تناول وجبات الطعام الفارهة ، وانما يكتفون بما اعطي لهم من المحسنين ، حتى انني قرأت مرة عن رجل طرق باب امه ومد صحنه ليأخذ نصيبه من الطعام ، فأدخلته الأم الى بيتها ولم تكن قد تعرفت عليه بعد ، جلس يحدق في امه مقاوماً رغبته في التعريف بنفسه ، فلقد اخذ منه الدين جسده وعافيته ، وتغطى وجهه بالشعر الكثيف ، هكذا حتى غادر بيت أمه دون ان يحتضنها ، وكل ما سعى اليه هؤلاء هو الوصول الى حالة النيرفانا التي يطفأ فيها سعي الانسان ويصل بها الى خلاصه الأعلى . ومن هذا كله نستنتج دور الرغبات في تحديد سلوك الانسان بل وفرض التحديات عليه ، والآن ماذا سيحدث لنا لو اننا فقدنا رغبتنا بأي شيء ؟ والسؤال الاهم ماذا لو انتزعت هذه الرغبة منا انتزاعاً بفعل الزمن؟ اما السؤال الاكثر قسوة والذي يواجهه الانسان يومياً : ماذا لو أننا رغبنا لكننا ورغما عنا لم نتمكن من تلبية هذه الرغبة ؟ هذا ما حصل مع العجوز ايغوشي بطل رواية الجميلات النائمات لكاتبها الياباني ياسوناري كاواباتا ، اول ياباني يحصل على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٦٨. هذه الرواية التي تمنى الكاتب الكولمبوي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز لو انه كتبها ، والذي كتب لاحقاً رواية استلهمها منها وهي ذكريات غانياتي الحزينات . 

قرأت في البداية رواية ماركيز ذاكرة غانياتي الحزينات بترجمة صالح علماني واعجبتي كما لم أتخيل فأنا لست من محبي ماركيز ولا الواقعية السحرية ، التهمتها دفعة واحدة ، ففي هذه الرواية رجل تسعيني غامر في الدنيا كثيراً وها هو يريد الاحتفال بعيد ميلاده بالقرب من صبية يافعة ، هذا هو موضوع القصة كلها لكن ماركيز يأخذنا فيها الى اعمق ما فينا ، الى تلك المشاعر الدفينة عن الرغبة والحب والتقدم في العمر ، اصابتني حماسة لا مثيل لها لقراءة الرواية التي ألهمت ماركيز لكتابة رائعته هذه ، فكان ان بدأت بقراءة رواية الجميلات النائمات ، وهي عن قصة منزل ، يرتاده الاغنياء واصحاب النفوذ وهم طاعنون في السن للبيات مع فتيات صغيرات في السن ، لكنهن نائمات طوال الوقت . ايغوشي الذي تلقى دعوة من احد اصدقائه العجزة ، يعتبر ان هذا المنزل يحرجه ويجرحه في الاعماق حيث انه لم يصل بعد الى سن العجز الذي يمنعه من التمتع وتلبية رغباته . لكنه وفي كل يوم يمر على كراهيته لهذا البيت والقانون فيه ، يصر على ارتياده اكثر من السابق . وتبدأ الكثير من الأحلام ترواد ايغوشي ، حول انتهاك قانون البيت والتسبب في المتاعب ، فقانونه ينص على ان لا يتم ايقاظ الفتيات تحت اي ظرف من الظروف ، حيث لا يمكن هذا بأي شكل من الاشكال نظراً لتناول الفتيات لمنوم قوي ، وفي هذه الاثناء بدلاً من ان يخلد ايغوشي في النوم بجانب صبية عذراء ، يقضي الليل كله وهو يفكر في عجزه وفي شبابه الذي انقضى وفي كل الفتيات اللواتي تعرف عليهن في حياته ، حتى انه يسأل من هي أول إمرأة عرفتها ، فيتذكر امه على نحو يجعله يخجل من مواصلة التفكير في النساء اللواتي رغب بهن . في الحقيقة لم تعجبني رواية ياسوناري كاواباتا كما اعجبتني رواية غابيريل غارسيا ماركيز ، حتى ان هذا اثار لدي فضولاً لاعادة كتابة الكثير من الروايات اللواتي احببتها . وحول علاقتي بالادب الياباني فأنا احب الفاتنة اغوتا غاوا بقصصها الاثيرة والدافئة والتي تتناول اليومي والمألوف لتجعل منه نثراً بالغاً في التأثير والجمال ، كما قرأت لمواطنها ميشيما روايته القناع وهي رواية جميلة وتناقش موضوعاً مهما للغاية ، بقي هاروكاي موراكامي الذي يظهر تأثره بماركيز لكنه بالنسبة لي لم يكن لافتاً خصوصاً في روايته كافكا على الشاطئ ، حيث يدخل مراهق في جملة من التحديات اثناء هروبه من بيت والده .