تستطيع بعض الأعمال الروائية أن تقدم نفسها للقارئ من السطر الأول ، وهذا ان ادل على شيء فهو بلا شك يشير الى مقدرة الكاتب ووضوح الممر الى تجربته ، في بداية رواية “غرفة مثالية لرجل مريض” ليوكو أوغاوا تكتب : “” حين أفكر في أخي الأصغر يدمي قلبي كرمانة مفلوقة، أسأل في سرّي لماذا. ” وفي بقية الرواية ، نلمح عذابات القلب المنشطر كرمانة مفلوقة لا المتشظي كشيء انفجر فقط ، وفي رواية الغريب لألبير كامو يكتب كامو في الجملة الافتتاحية المرعبة : “توفيت أمي اليوم، أو ربما بالأمس لا أدري. فقد تسلّمت البرقية التالية من الوطن: توفيت الوالدة. الجنازة غداً. المخلص لكم. هذا لا يعني أي شيء فربما ما حدث كان بالأمس” ، كذلك يبدأ عمل الكاتبة الأمريكية الشهيرة أنايسس نن ، ففي بداية عملها الذي انوي الحديث عنه في هذا المقال وهو “بيت المحرمات” تكتب انايسس نن : كانت رؤيتي الأولى للأرض مغشاة بالماء. إنني من ذلك العرق من النساء والرجال الذي يرى كل الأشياء عبر هذه الستارة البحرية ، وعيناي بلون الماء” . ولن يفوتنا أبداً أن نتوقف عند هذه الافتتاحية ، متوقعين ما سيأتي بعدها ، فلماذا قد تبدأ أنايسس نن بالماء هذا الذي أخضعه غاستون باشلار للتحليل النفسي في كتابه الشهير ” الماء والأحلام : دراسات عن الخيال والمادة” فهو يقول “ما أقسى عذاب الماء” ويبدأ في رصد دلالات الماء في الكثير من الأعمال الأدبية وأقتبس له منها : “الوداع على شاطئ البحر أكثر ضروب الوداع تمزيقاً، وأكثرها أدبية معاً. لأن شِعر الوداع يستغل أعماقاً قديمة للحلم والبطولي. ويوقظ فينا من دون شك الأصداء الأكثر إيلاماً. ذلك أن أسطورة الرحيل على الماء توضح جانباً كاملاً من نفسنا الليلية. والانعكاسات في نظر الحالم متصلة بين هذا الرحيل والموت. والماء في نظر بعض الحالمين، هو الحركة الجديدة التي تدعونا إلى السفر الذي لم يتحقق إطلاقاً. هذا الرحيل المتجسد ينزعنا من مادة الأرض. وعليه، يا لها من عظمة مدهشة يمتلكها هذا البيت الشعري لبودلير، هذا الصورة المباغتة التي سرعان ما تمضي إلى قلب سرنا الخفي: أيها الموت، أيها البحار العجوز، لقد آن الآوان! فلنرفع المرساة!”. فكيف من الممكن أن تنظر أنايسس نن للعالم من خلف ستارة بحرية؟ ألا يعني هذا ميوعة هذا العالم وسيلانه المستمر في نفس هذا الشاخص أمامه ، الذي يحاول بلا هوادة أن يكون صلباً بقدر ماهو العالم متطرف في خصومته المادية ، لكن هشاشة الواقف أمامه الداخلية تغلب المراد ، وقلبه السائل لا يمكن الا يرى الا شقوق الحياة وتصدعاتها الكثيرة ، إن الأمر يشبه تماماً ان تمسك بصنبور ماء على الدوام وأن تكون وظيفتك الأولى هي ان تسقي كل شيء حتى الجمادات ، وكم هذا متعب ومضني فهو يتطلب قدراً هائلاً من اليقظة والالتزام ، ان هذا هو الشعر ، و ما يميز الشاعر عن غيره . 

تقول أناييس عن نصها هذا ، في مقدمة الكتاب “لقد شعرتُ بأني أبصق قلبي” ، وكلما تقدمت في قرائته تأكدت من ذلك ، فالكاتبة لا تترك شيئاً دون ان تشير إليه والى علاقته بها بداية من الليل والنهار ، سكون الفجر ورماديته و أمواج الظلمة المتلاطمة في المساء . وحتى انزعاجها من النظر الى الأشياء المشتركة بثيمة واحدة ، كأنما تريد ان تقول لنا حجم الهشاشة التي تتلبسها أمام شيء متماسك الى هذه الدرجة . وتكتب أنايسس: “ثمة رمادية ليست بالرمادية الاعتيادية . انه سقف رصاصي كبير يغطي العالم مثل غطاء مقلاة الحساء” ، ان هذا النص يفيض بالشعر وحده ، والذي لا يحاول التنظير لموقف انايسس من العالم كما هو الحال في أعمال وجودية شهيرة ، اشتهرت بسخطها من الحياة ، إنه ببساطة سرد ذاتي جداً وحميم لما حدث لها ، حتى ان هذا النص لا يخلو من التماعات الأمل ومكابداته ، مثلما يحدث لانسان خسران يحدث نفسه ، وينتهي به الأمر في محاولات للقيام مجدداً ، لأن التسليم مهدد ومرعب ، لكنه يكتشف أن حجم خساراته اثقل من قدرته على الوقوف مجدداً . والغريب في الأمر أن انايسس نن اشتهرت بعلاقتها مع الروائي الأمريكي “هنري ميللر” وهذا يدعو للتعجب لأن القارئ لميللر خصوصاً لثلاثيته بأميز عمل فيها “مدار السرطان” والذي لا يكف فيها عن استخدام الكلمات النابية وافظع الشتائم ليصم الحياة والعالم . لقد كانت انايسس محطمة على خلاف الظاهر لهنري ميللر ، كانت اضعف من ان تسخر ، وأجزم بعد قراءة يوميات انايسس نن المترجمة عن دار أزمنة الارنية ، أن انايسس كانت تستند على هذه القدرة على المواجهة في هنري ميللر ، أما هو فلقد استكان الى غموضها الناضج ، والذي يختبئ ورائه بلا شك هذا الألم السائل على الدوام ، تكتب في يومياتها ” ااني حساسة إزاء أي وجه أقابله في الشارع ، وكل ورقة شجر وكل سحابة وكل شكل من أشكال الحب.. اثمة امرأة كونية تحيا في أعماقي؟” و ” تبدأ معظم الأماسي العابثة على نحو طيب . أبدأ معها بإزدهاء وجذل وانشراح وفضول وحب للمغامرة غير ان متعتي وراحتي تبدأ بالتناقص والزوال ، السخرية ، الهزل. السفاهة كلها تحيل دمي الى جليد ، وكأنني اشهد فصولاً من السادية” ، نقرأ في اليوميات عن أفكار انايسس المتعلقة بالكتابة والابداع والحرب و حقوق المرأة ، اعتقد انها واحدة من اجمل اليوميات التي قرأتها مع كتاب “مذكرات فتاة رصينة” لسيمون دي بوفوار الفيلسوفة والروائية الفرنسية .