“شجرة الجيران”

مدخل:

“هذا هو الخريف، عندما ينسى الشجرة في الخارج ويدخل البيت”

لم يتصدّ أحدٌ للشجرة التي خرقت سور البيت المتين، أوراقها الخضراء ذات الشكل الرمحي صفنت فوق الجدار باتجاه البعد الشرقي من البيت ذو الهندسة الفريدة في الحي، والذي يشبه ترسانة حديثة الصنع بلون نحاسي. تساقطت ليلة أمس ثلاث وريقات رغم أنه ليس فصل الخريف، وعند خروجه من البيت وقف مذهولاً مضطرباً، ما الذي سيفعله أمام هذا الضيف الطارئ، أما زوجته فلطالما رغبت في أن تزرع وردة جهنمية بجانب الباب، لكنه استمر يرفض هذا لأن شكل البيت لن يكون هو الذي لطالما حلم به، إنْ لم يتطابق والصورة في مخيلته. تناول الوريقات الثلاث الساقطة وألقى بها فوق الجدار لتسقط في بيت الجيران مع جذع الشجرة هناك.

في اليوم التالي لم يكن ثمة أوراق، لكن الرائحة الفاترة لزهور الشجرة باتت خلفية مضبوطة على إيقاع الهواء في حوش البيت، حدق ملياً في الشجرة، بدا كما لو أنها اليوم تتزين بأكاليل مرتبة على نحو معقد، وتأكد من أن الأسبوع لن يمر دون أن يطلب من الجيران الذين لا يعرفهم أن لا يحولوا دون استمرار هذه الخضرة الجامحة في تهديد طوار بيته الشرقي.

في اليوم الثالث رآها في الحوش، تقرأ كتاباً  كعادتها وتشرب قهوتها  على كرسي توجهه على غير العادة صوب ذلك الكائن الطفيلي الجديد. ابتسم لها حانقاً، حتى أنه شعر بالثقل كأنه يحزر ما الذي يمكن لها أن تحس به أمام هذه الشجرة. وكانت على الأرض عدة أوراق لم يميز عددها من بعيد.

في عطلة نهاية الأسبوع عاد خائباً بعدما ظن الجيران أن خطباً ما يشغل بال هذا الرجل الذي يرفض أن تستند شجرة كتلك إلى جدار بيته، حتى ظنوا أنه بزيارته هذه إنما يسعى لإحدى فتيات البيت، إذ إن أشكال التورط في العلاقات العاطفية اليوم لم يعد متوقعاً كما كان مع أسلافنا في الماضي. عاد إلى بيته مغموماً يشغله الظل المتورم الذي يتقدم شيئاً فشيئاً من سلم المدخل الرئيسي لمنزله.

في لحظة غياب الشمس، شعر بشبح الشجرة يكسر وقوفه ٣٣ عاماً، في الرائحة الغريبة التي تصدر منها أحس بأنه يبتعد في كل اتجاه على نحو مروع، فجأة أطلت زوجته من الخلف متجهة إلى الشجرة ذاتها، خرجت من باب المطبخ الخلفي بعد أن فرغت من إعداد العشاء، لم تكن قد لاحظت وجوده بعد، وتحت الشجرة فكرت في عدد الأشجار التي ستكون في عمر هذه الغريبة لو أنها زرعتها قبل ٨ سنوات يوم دخلت عروساً مبتهجة إلى هذا البيت، وضحكت ساخرة من أنها لا تكاد تعرف نوع هذه الشجرة ولا فصيلتها ومن أن امرأة أخرى تسقيها كل يوم . تذكرت والزرقة الذائبة للسماء وقت الغروب تُنغم ذكرياتها، الرجل الذي أحبته والحزن الوشيك في عينيه، يوم قالت نعم على اعتبار انها تملك خارطة ستنقذهما معاً. أصدر صوتاً لينبهها بوجوده، التفتت بوجه أشبه بسطح ماء متوتر وفكرت كم من الوقت مر عليه هناك، ثم عادت إلى هيئتها السابقة وقررت بحزم لا تعرف مصدره أن تضع في شرفة البيت المرتفعة أصص زهورٍ وأن تجرب وجود نبتة صبار بجانب النافذة. عجزَ هو هذه المرة عن تخيل ما يمكن أن تفكر فيه وتمنى لو أنه الخريف لكي لا يبقى من هذه الشجرة هذا اللون الذي هو تلويحتها للعالم للإشارة إلى وجودها هناك بالذات، في هذا الحي، في بيت سكانه يمتازون بالفظاظة على حد تعبيره، متكئة على جدار رجل قرر أن يأخذ إجازة منذ الغد حتى يتعامل مع صورة البيت الجديدة.

. لا تذكر متى أحبت أن تكون شجرة أو زهرة هندباء، حتى إنها عندما سمعت عن نوع من التراب ما إن تدفن فيه الجثة حتى يتحول إلى شجرة مع مرور الوقت، وعلى الرغم من سخريته من رغبتها المبتذلة، لم تبرح فكرها أبداً، وها هي الشجرة الأولى بعد ٨ سنوات مفصولة عنها بسياج وتحتها لم تنفك تشعر بالغرابة الطارئة، أشبه بتمثيل يستدعي شعوراً رمادياً.

في صباح اليوم التالي لم يخرج من البيت، ذهبت هي إلى عملها دون أن تنسى إلقاء نظرة متفحصة بوجهها الممتقع على عروس البيت الجديدة، وعندما عادت كانت قد نفذت خطتها واشترت شتلاتها المورقة، دخلت ولم يكن في الصالة، اتجهت إلى الشرفة مباشرة، وعندما رآها أخرج دفتر مذكراته الذي لم يكن قد كتب فيه منذ ثمان سنوات خلت وكتب في الصفحة رقم ٣٠٩ حيث كانت الصفحة التالية لما كتبه سابقاً – على وقع فحيح الشجرة شرق بيته:

“لقد بدأنا نعرف بعضنا جيداً، وها نحن ذا نفترق!”

 المدخل:

١- بيت شعر من مجموعة دلال جازي الشعرية: تشريح الأرنب الأبيض.