مذعورة من هذا المطر الذي يساقط على كتلٍ من الإسمنت في الخارج، أقفل باب غرفتي بالمفتاح، وأديره في ثقب الباب مرتين، لا لشيء سوى أن أضمن مسافةً من الزمن بيني والعالم، وقتاً يكفي لكي يغلي ماء لإعداد قهوة ساخنة، وعندما أستلقي على الفراش، يبهجني ذلك الوخز الخفيف، الذي يحدثه تماس جلديّ البارد بغطاءٍ دافئ يتسع لجسدي كله. وإذ أبقي وجهي معلقاً في الخارج، كي لا أكتشف في تلك العتمة أنني أعاني من الربو فعلاً وأن لي حياة وأمراضاً يمكن تسميتها، وأشخاصاً وبحوثاً يمكن أن تمرر لي أدوية صالحة واستشارات طبية لا تتوقف. بماذا يفكر وجهي إذن؟ أحبك، ولكنني لم أعد أؤمن بالحب، أفتقد شفتيك ولكن السماء في الخارج ترعد أكثر من ذي قبل، لا أريدك لكن الغرفة يضيئها مصباح صغير، أضعه على صناديق تحوي قميصاً مخططاً منك وكتاباً لحنة أرندت موقعاً بختم عملك، ودفتراً صغيراً لخواطر حالمة ومبتذلة. أريد الآن أن أقف في منتصف الطريق، وأن أنظر الى كل من عرفتهم، وإليك على وجه التحديد، وأن تمسني شيءٌ من حمى لا أفهم لم ستدفعني لكل تلك البلادة التي سأبديها وأنا أقف هناك، لا وقفة فيها شيء من الكبرياء، ولا أخرى محطمة كالغبار، هي عاديةٌ بحيث لا ترى، وأن أترككم جميعاً كما فعلت “المرأة العسراء” بعد ليلة حميمة في فندق راقٍ. أريد أن ابدد صوتي الذي يرجف كلما قرأ الشعر في تهجئة كل هذه اللافتات الي تضيء حتى عندما تقفل المحلات في هذا الوقت المتأخر. مقهى دقائق، فيلا روز، مطعم الضيعة اللبنانية، إيت سمارت، ومراد لبيع أدوات الشيشة، أروح وأجيء دون أن أفرط في قراءتها جميعاً ودون أن يلفت انتباهي نافذة الغرفة التي كنت أرقب فيها كل مرة عودتك.