crime-and-punishment-first-edition-dostoyevsky

في وقت متأخر من الليل وبدقة أكثر عند الساعة الرابعة والثامنة عشر من فجر يوم الخميس الأول من فبراير عام ٢٠١٨، أفتش في موقع goodreads عمن لم يمنح رواية الجريمة والعقاب لديستوفسكي العلامة الكاملة. وأبدأ بالنبش في ملفاتهم وأحاول الاتصال بحساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي ، أريد بذلك أن أفهم الاختلاف الذي قد يكون بين من أحب هذه الرواية ووجدها مثالية تماماً وبين من لم يعتبرها كذلك، ما هي السمات الشخصية لكلتا الشخصيتين، هل أبدو بهذا التصرف منسجمة مع شخصيتي الحدية؟ لابد وأن زوجي سيسعد بهذا الاعتراف، شاهدت اليوم مسلسلًUnabomber الذي تناول قصة ضحية للمجتمع الصناعي والحضارة التي نعتد بها مدفوعا لارتكاب جرائم متسلسلةً للدفاع عن “فكرة” يتبناها، يدعي فيها ان العودة للحياة البدائية ستمنح الانسان قدراً أكبر من الحرية، اذ ان التكنولوجيا الحديثة والأنظمة بما تقوم عليه من قوانين تسيطر على روح الانسان وعلى ارادته، صحيح ان السيارة ساهمت في سرعة التنقل من مكان لآخر، لكننا أصبحنا مضطرين لهذا التنقل، أي صار من اللازم أن نمتلك سيارة كي تستمر حياتنا، وهذا المثال آخذه مباشرة من المسلسل، كلتا الحالتين هنا وأقصد راسكلينكوف وتيو راسكلينكي، الأول بطل الجريمة العقاب والآخر بطل المسلسل إنما يدافعان عن حقهما في تبني “فكرة”، إن كان الطريق الى تحقيقها يقتضي بعض التضحيات فليكن، أي مجد كان ليصنع بهذه الطريقة، عوضاً عن هذا فإن ثمة التفات الى الغريزة الانسانية والى حقها في أن تقود، بدلاً من أن تتعرض للسيطرة، هنالك كلام كثير يمكن أن يقال عن الرواية وعن المسلسل كذلك، لكنني لم أكتب هذا المقال لهذا تحديداً، هنالك جملة من الاحساسات ان صح التعبير أرغب في التعبير عنها، فقد كتب عن الرواية كثيراً، وفي واقع الأمر لا يهمني أي شيء يتعلق بكون الرواية هي مخطط لشرح فلسلفة كانط الأخلاقية وأي هراء من هذا القبيل، لقد كان عملاً جامحاً، في الجزء الثاني من طبعة المركز الثقافي العربي، بدأت أقلق على نفسي من مواصلة القراءة، أعاني حالة عصابية لا تحتمل التعامل مع الابطاء في عرض النتائج. لذلك استغرقت في قراءة هذا الجزء وحده عشرة أيام، وفي كل مرة كنت أقرأ فيها الرواية كنت أقرأ ما يزيد على ٦٠ صفحة، وما دعاني فعلاً لاعتزال قراءتها هو اللقاء بين القاضي وراسكلينكوف، كنتُ ألهث تماماً وأتعذب كما لو أنني أنا من أسقط الفأس على رأس العجوز وأختها، لابد وأنك اذا كنت ممن قرأ العمل ستعرف بالضبط عن أي موقف أتحدث، أما اللقاء التالي بينهما في شقة الجاني فكان مريحاً بالفعل، مريح أن بوفيري القاضي قال أخيراً أنه اكتشف قضية راسكلينكوف وعرف أنه القاتل، تماماً مثلما ذهب بنا ديستوفيسكي طيلة العمل، الحل والانعتاق في قطع الشك تماماً في وفي أن لا يصبح متردداً ابداً إزاء ما فعل، نقطة نظام، لن أعود للحديث عن الرواية بهذا الشكل، ما أرغب في أن أقوله، أن كثر سيذهبون الى أن هذا العمل يمتلك خلاصة غنائية كبيرة بل وأنه يقدم موعظة في مكان ما، وهذا ما قد يكون مزعجا بالفعل، لكنه بالنسبة لي لم يكن كذلك على الاطلاق، لست ذلك الببغاء الذي يردد “ديستوفيسكي شرح النفس الانسانية كما لم يفعل أحد من قبل” مع أن أنني قد أكون واحداً في مكان آخر، الأمر كله ذلك أنني أرى ألما عظيماً يقف وراء كتابة هذا العمل وأن دييستوفيسكي قبل أي أحد آخر كان بحاجة لأن يهون علي نفسه مشقة ووطأة هذا الوجود الذي عرفه واقترب منه على نفسه، لهذا ينهي هذا العمل بهذا الشكل تحديداً، إنه هو من يريد هذا المصير، ليست هنالك نية في أن يكون حذقاً أو مرضياً لي أنا القارئ، لأنني لا أعتقد أنه يراني، لا يتعامل ديستوفيسكي مع هذه الكتابة كصنعة، لأننا وبسهولة ولغيابه عن مركز الحدث في كثير من الأحيان نكتشف أنه يتدفق ليس إلا، ألهمني لهذه الفكرة كاتب سعودي أحبه اسمه أحمد الحقيل “ابحث عنه ان لم تقرأ له من قبل.” حسنا فلنعد ثانية لراسكولينكوف ألم يكن هذا مرهفاً في كثير الأحيان بقدر فظاظته ألم تكن خاتمة الرواية في عذوبة الأمل نفسه الذي يجرح جداً على اعتبار انه من أسوء الشرور كما يعبر نيتشة؟ لست نيتشوية بالمناسبة، عموماً، هذا العمل بالنسبة لي مسودة عمل لاعمال كثيرة لاحقة قرأتها قبل الجريمة والعقاب الا انها وبلا شك تأثرت بها، أولها أسرار لكنوت هامسون، نايجل الذي يتداعى وعيه طيلة الرواية، ثم تلك الإلتماعات التي يصف فيها هامسون نايجل معزولاً عن الآخرين والعالم مواجها للطبيعة والمشاهد الفاتنة للون الأخضر، راسلكلينوف الساخر، المرهف، العذب، الواهم/الحالم، كان نواة لأعمال أدبية وفنية عديدة.