IMG_9663

لم أعد أثق بأي شيء، مرضي النفسي الذي أعاني منه منحَ شرعية كاملة وجارحة لكل شكوكي السابقة حول ذاتي، أصبح الأمر هاجساً لا يمكنني المتابعة دون الالتفات إليه، عندما أشعر بالحب، يؤكد لي صوت أشبه بامتقاع وجه المتهم لحظة إعلانه مذنباً، بأن هذه لحظة انفعال عابرة لا يمكن الاعتماد عليها، وعندما أشعر بالعكس، أو يراودني إحساس الخواء الذي بات أقرب لي من أي شيء آخر، رأيت أن مرد ذلك كله هو لحظة انفعال عابرة أيضاً.

 على ماذا أقف اذن؟ وهذه الأرض لا تجذبني لشيء موثوق؟ حتى هذه الكتابة يصاحبها خلفية الصوت نفسه، بالأمس دخلنا أنا وزوجي في شجار عابر كما جرت العادة، لكن هذه المرة، يتهمني فيها بأن ما أكتبه لا يمكن إلا اعتباره دليلاً ضدي، على الأقل في وضع علاقتنا العاطفية، كان يشير إلى نصوص نشرتها في هذه المدونة أو ربما في أماكن أخرى، أعترف بأن الأمر أثارني أول الأمر إلا أنني وبعدها بساعات فكرت فيما يمكن أن يدل علىّ فعلاً في هذا كله؟ هل هنالك نمط محدد أسعى لتقديمه عن نفسي؟ أشك في ذلك، هل ثمة أي شيء يشير بأي شكل من الأشكال لشيء يمكنني أن أدعي تمثيله لي؟

 لدي يوم عمل طويل لكنني لم أنم حتى اللحظة، فكرت في إنهاء أشغالي مبكراً والعودة للقرية، لم ألتقِ بجدي منذ فترة طويلة وأشعر برغبة في قضاء الوقت معه، كانت أمي أعطتني من حصاد النبق لكنني لا أحبه ولا يفعل زوجي كذلك، رائحته النفاذة بعد استوائه تملأ شقتنا الصغيرة، فكرت في ساعات العمل الطويلة التي يقضيها والديّ تحت الشمس لقطف النبق، من ثم توزيعه، عملية شاقة لا يساعدهما فيها أحد، وأنا بكل صفاقة ألقي به هنا حتى يتعفن، حاولت إقناع أمي بعدم رغبتي في أخذه معي، لكنها أصرت بأن أفعل، “ربما تستطيعين توزيعه على صديقاتك أمل، الناس تشتريه بثمن باهض من السوق، سيقدرون لك ذلك بلا شك”. لكن أمي لا تعرف أنه ما من أحد أستطيع اختبار قدرته على الشعور بهذه البادرة، ولا تعرف أمي كذلك أنني بعد هذا الجدل كله، توقفت قليلاً، تراجعت وقلت إن هذا الحنين كله للعودة الى القرية، لجدي، لأبويّ ليس إلا لحظة انفعال عابرة أخرى.

تراودني هذه الأيام الرغبة في التخلص من نفسي، وأشعر أن الأمر بات وشيكاً، ربما يفسر لي هذا عدم قدرتي على النظر الى المستقبل ورؤيتي موجودة فيه، إلا أنني أتراجع فوراً وأعيد نفسي الى بداية القصة عندما بدأت أتخلى عن صورة المستقبل بعد علاقة عاطفية أنهكتني لسنوات واستغرقت كل الصور الذهنية الممكنة عما قد يكون عليه المستقبل. وبعد أن خسرت لم يعد لديّ جسارة الابتعاد قيد أنملة عن موقعي الحالي، الموقع الذي وللأسف ينبغي أن أذكر بأنه لا ينجذب لشيء، مموه، مصادر، محاصر، ومتداعٍ، ما لذي كنت أقوله هنا؟ هذا اقتباس بسيط عما يجري في عقلي الآن. محاولتين، إحداهما تقول إنني مقبلة على الانتحار، وأخرى تقول إنني أختلق ذلك لكي أبعد نفسي عن واقع أنني مررت بخسارة ما. ألا يبدو هذا تراجيدياً؟

أقرأ باستمرار كل المراجعات عن رواية قرأتها مؤخراً وأعجبت بها، لابد وأن أشير إلى اسمها لصالح خصوصية هذا الهراء الذي أكتبه والذي قد يعتبره أحدهم محاولة لمزاولة نشاط الكتابة باعتباره امتيازا، إنها رواية الحالة الحرجة للمدعو ك للكاتب عزيز محمد، بدا لي بطل هذه الحكاية حقيقياً، ويمثل الوجه الأكثر تناغماً مع روح هذا العصر المسحوقة، بدا واقعياً وفاتناً في مواقفه، إلا أن بعض من قرأها يؤكدون دون مواربة إيمانهم بأنها شخصية لابد وأن تعاني مرضاً نفسياً، يسهل تشخصيه في هذه الأيام، وأعراضه متوافقة تماماً مع ما يمر به ك، إنهم يشيرون إذن إلى كونه غير طبيعي. وإذا كنت أنا أشبه ك في مواقع كثيرة بل وأتقاطع معه، هل يعني هذا أنني مريضة ولا يمكنني النظر الى العالم بطبيعية؟ هل يعني هذا أن فهمي وموقفي من الحياة يعاني من شوائب منعتني من إدراك حقيقة الأشياء؟ لحظة، إن كان هذا صائباً، أعني اعتباري مريضة وما إلى ذلك، لماذا قد أدعي بأي شكل من الأشكال بأن هنالك تشكيكاً في حقيقة أن موقفي من الحياة هو الأكثر تناغماً مع ما كانت قد منحته لنا؟ لماذا أفتش في واقع أنني مريضة. هنا بالضبط أعود لنقطة البداية في هذا النص المكتوب، إذ أنني بعد لحظات معدودة شككت فيما كنت قد اعتبرته حقيقة، أنني مريضة فعلاً.

……

أمل

13/2/2018

بوشر – غرفة نومي.

* الصورة لصديقة على تويتر أرسلتها قبل أكثر عام وقالت أنها رسمتني، ربما أبدو كما أظهر في الرسم، لكنني أشك في قدرتي على الإيمان بذلك أيضاً.