في طفولتي لم يكن العالم كبيراً ،  تركتني امي في بيت جدتي الذي كنا نعيش فيه ، وانشغلتْ بأختي التي تصغرني بعام واحد ، اصيبتْ يومها بمرض لا اعرفه حتى اليوم لأن احداً لا يود الحديث عن الماضي ،

وعندما كانت اختي تتعافى ، تدخل أمي الى المستشفى لمتابعة حالة حملها ، هكذا كانت تمضي الأيام ، صغيرة جداً لا يعطف عليها أحد ، لم يكن لدي الكثير من القصص لأحياها لأننا كنا نعيش بعيداً عن الأحياء السكنية ، بيت جدي معلقاً في الصحراء مثل اي شجرة “سمر” مجاورة ، وهذا النوع من الشجر من الصعب ان تتعرف على أهوائه وفصوله ، يشعرك بادئ الأمر أنه واضح جداً في قوته واصالته ، لكن موسم تربية النحل والحصول على العسل يربي فيك اسئلة كثيرة تتعلق بشجرة “السمر” كحاضنة لهذا الموسم . لم أكن أعرف ان الصور التي اشاهدها في التلفزيون حقيقية، وعندما كنت انظر الى البطل وهو يقترب ليقبل حبيبته ، تحمر وجنتاي وادير رأسي بعيداً أو أخبئه بين يدي حتى يتغير المشهد ، كان العالم يكبر في مكان آخر ، وأيامي العادية لم يلتفت لها أحد . ظننتُ أن أمي تمتلك كل الفساتين الحقيقية وأبي الوحيد الذي يلعب كرة القدم بإحترافية عالية ، وعندما كانت امي تنزل علبة القهوة من رف دولابها العلوي الذي لا اطاله شعرت اننا العائلة الوحيدة التي تعرف جيداً كيف تمضي الوقت بلا تضحيات ، لم ازر مسقط الا مرتين ، عندما كافئني ابي على تفوقي الدراسي ، ذهبنا يومها الى المستشفى لمتابعة حالة حمل امي ، وأكلنا في الطريق شرائح الجبن التي ظننا انها حكرٌ للرحلات الطويلة ، لعبتُ يومها بالمصعد في المستشفى حتى نهرتني عجوز كانت تجلس في الجوار ، وعندما شاهدت آلة المشروبات الغازية هناك لاول مرة ، وراقبت الناس وهم يضعون العملات النقدية في فتحة صغيرة مقابل علبٍ تنزل مسرعةً وتصدر صوتاً عالياً في صندوق الآلة السفلي ، حلمت كثيراً بها ، وقررت ان اجمع قطع الحديد التي رأيتها مرمية في الغرف الجديدة التي يبنيها والدي ، وعرفت لاحقاً انها تستخدم للتوصيلات الكهربائية ، ظننت ان الآلة لن تفهم أنني اغش ، وحسبتُ يومها انني توصلتُ لإكتشاف عظيم . قبل عام من الآن ، كنتُ أكتشف مسقط ، هذه المدينة المرواغة ، التي لا تعطيك نفسها دفعةً واحدة ، ظننتُ أنني أؤلف من مساحاتها الفارغة ، أحلاماً طويلة ، اطول مني ، تكفي لكل الليالي الموحشة ، كنتُ قد تغيرت ، وقبلتُ رجلاً احبه دون ان ادير وجهي ، وعرفت ان امي لم تكتشف كل الفساتين الممكنة وأن ابي لعب كرة القدم لان عدد الشبان في الحي المجاور كان ناقصاً على الدوام ، طفت في شوارع مسقط ، كمن يبحث عن قطع الحديد المصقولة ، في محاولة لا تقشف فيها لخداع الزمن والمكان . وهأنذا اعرف ان مسقط هي الأخرى صغيرة ، لم يعطف عليها أحد ، فيما الحياة تكبر في مكان آخر دائماً.

تاريخ الكتابة:

٣/٦ /٢٠١٦