Om195905768
مدرستي الثانوية

لو استيقظت شيخة من نومها الأبدي، ستفاجأ جداً، أنني ما زلت أرثيها، بعد عام على غيابها، لم يكن بيننا علاقة خاصة أنا وهي، لكنني أتذكر جيداً، ذلك التوتر الذي تسبب به وضعنا في صف واحد في السنة الثانوية الثانية وقبل الأخيرة، ذلك أنني كنتُ الأولى على صفي، وكانت هي كذلك. حملتْ شيخة عني أفكاراً، عندما أتذكرها الآن، أشعر أنها تنبأت باكتئابي قبل أن أعرف به أنا نفسي، فعندما بدأتُ بالتغلب عليها في العام الدراسي الأول الذي جمعنا معاً، قالت أن لديّ استراتيجية خبيثة في التعامل مع المعلمات، فأنا متفوقة ومندفعة ولا يمكن مجابهتي في الشهرين الأولين فقط، حتى أكسب احترام الجميع وثقتهم، وبعدها لا أكون أكثر من شخصية كسولة ولا مبالية. في الحقيقة لم أكن أقصد هذا كله، لكن شيخة لم تعرف هذا يوماً. شعرتُ بالتهديد، وبأنني جزء من الزمن، هذه الترسانة التي تصم الآذان إذا ما توقف أحد لملاحظة مرورها، صرنا نموت، مثلنا مثل الآخرين، إننا فعلاً هنا الآن، في هذه الحياة نفسها التي تصبح عرضة لمثل هذه الحوادث، الموت.

تحدثنا أنا وهي للمرة الأخيرة قبل أسبوعين من وفاتها، قبل أسبوع واحد بالضبط من دخولها غرفة العمليات، كانت تسخر من الصور الرمزية التي أضعها في حالتي الشخصية على الواتس اب والتي غالباً ما تكون للمكتبة والكتاب الذي أقراؤه في ذلك الوقت. وكان لدي رغبة في سؤالها عن ابنتها، لكنني لا أفضل خوض هذا الحوار، ليس الآن على الأقل، فشيخة تزوجت قبلي بشهور معدودة لكنها أصبحت أماً بعد أقل من عام على زواجها، الشيء الذي لا أجرؤ على فعله حتى بعد عامين على زواجي، لو أن الزمن يعود الى تلك اللحظة، سأطلب منها أن ترسل لي صورةً لابنتها، سأحدثها أكثر عن جمالها وهشاشتها وعن لطفها وكم هي محظوظة لأن لها أماً ذكية ومثابرة.

عندما علمت بوفاة شيخة، راسلتُ زميلة لي في نفس الصف، كانت تجمعها بشيخة علاقة أكثر قرباً، قلت لها هل ما سمعته صحيح؟ أجابت هل تقصدين شيخة ذات العيون الجاحظة؟ عرفتُ حينها أنهما لم تعودا صديقتين، فنحن لا نطلق هذه الصفات على شخص لصيق بنا طوال الوقت، لا حاجة لأن نشير بذلك لأنه أقرب من صفاته، وراودني إحساس حزين بأننا نمضي الى مثوانا الأخير، غرباء عن من يظنون أنهم يعرفوننا، وأنهم يصدقون أن ألمهم المبرح على غيابنا لا على احتمالية أن يكون أحدهم الغائب التالي، نعم هي شيخة ذات العيون الجاحظة جداً، والتي تمتلك نظرة جارحة، ودمعة عصية على السقوط في لحظات الهزيمة في اختبار مدرسي كنا نتسابق فيه بطفولية، وهي شيخة التي عندما زارت استراليا للمرة الأولى لتفوقها في كلية إدارة الأعمال، قررت البحث عن رقم هاتفي وإخباري بأنها هناك، كنوع من رد الهزائم المتوالية التي سببتها لها، وأنا نفسي كنتُ أقول لها في ذلك اليوم، رائع أن في الحياة أماكن بعيدة يمكن أن تسلينا  هكذا، ولم أكن أعرف أن الأكثر بعداً يوشك أن يقتنص شيخة نفسها بعدها مباشرة.