كان ينظر إلىّ ورأسه في مستوى ركبتي، متوسلاً أن أفصح له عن الأسباب التي دفعتني لخيانته، وبدا في تلك اللحظة، أننا على قيد الحياة، وأن شيئاً ما ينبض فعلاً في ذلك الهواء، ونحن في معركة صغيرة حتى وان كانت في أدنى الخارطة، في مكان ناءٍ لا يعترف به أحد. حدقت الى البحر، وعرفت أن الساعة التي استأجرنا فيها ذلك القارب، ستكون عقداً كاملاً من الزمان، وأنني لن أعود مالم أجب على هذا السؤال، لماذا خنته ذلك المساء مع رجل آخر؟

إنها الأسباب الصغيرة التي قد تدفع أحدهم لارتكاب جريمة قتل دون أن يرغب في ذلك حقاً، إنه مسرح الجريمة، الإيقاع، صوت الريح في ذلك الوقت، الشعور بأن وزنك زائد وأنك ثقيل اليوم أكثر من يوم أمس، قرار الضغط على الزناد في لحظة مفرغة من كل الحسابات، ولعل ذلك كله سيخذله تماماً إذ أن الدوافع تصبح مهمة ليكون الأمر مستحقاً كل هذه العواطف الذائبة الآن على السطح، وأن الجماهير التي ستتابع تحقيقات الجريمة تستحق قصةً مثيرة. لكنني فعلاً لا أملك أسباباً أخرى، كان الأمر يبدو كما لو أنني أعلق أقمشة بيضاء على خيط الغسيل لتجف، ثم دون أن اقرر، قطعت الخيط لأمُر دون أنحني الى الطرف الآخر، لا أرغب في أن اقرفص، في أن أنحط ولو بذلك القدر البسيط، ولم أكترث بما قد ألتحف به في ليلة باردة بعدها.

أمسكت يده، قبلت ظاهرها، مررتُ أصابعه على شفتي، ثم بكيت، قلت له أنني أحبه فعلاً، وأن لا رغبة لدي في خسارته، قلت له أنني لم أفعل شيئاً، وأن قوى خارقة كانت تحركني في مصير آخر، كنت كمن ينظر إلى نفسه في قصة، في فيلم، لم أكن أستطيع أن أفعل شيئاً حيال ذلك، صحيح أنني لا أؤمن بالقدر، لكنه بدا في ذلك الوقت مقدراً جداً. قلت له أنني مؤخراً أعانني شروداً غريباً عندما أبدأ بالكلام، إذ أنني بعد دقيقة أغيب ثم أعود بصعوبة، أبلع ريقي عشرات المرات، لكن هذا الكلام الآن ينساب، كما لو أنه يتدفق مباشرة من دمي، وأنني لست بحاجة للتفكير فيه، بدا كما لو أنه لغتي الأولى، بدا كما لو أنه كلمة ماما.

بكيت كثيراً عندما كنت أستعد للنوم مساء ذلك اليوم، عذبني بكائي طوال تلك الرحلة، أخذت أصرخ أنني مستعدةٌ للقفز في البحر إذا لم يصدقني، وبدا أن كل قطرة ماء هناك تصدق لكنها لا ترغب في ذلك، طبيعته القاسية كانت تحب هذا النوع من التضامن، إجابة لا الكبيرة التي نراها في كل شيء كان ما يسليه. ووعودي أخذت تأخذ نغمة خائفة، بدا أنه لن يستجيب لها، وعودي أخذت تزيد عما توقعته يوماً، أنا لم أقطع عهداً كهذا، أن أموت وأنا أحبه، وعندما بدت عيناه حزينتان بنفس القدر العادي، كما هما كل يوم، دون إضافات لأسباب جامحة، عندما بدت عيناه عاديتان جداً في وهنهما، شعرت أنني نجوت، وأنننا لن نقفز من على الحافة اليوم على أقل تقدير، لكنني الليلة بردانة جداً، بردانة للغاية، لماذا قطعتُ حبل الغسيل فعلاً؟