ظننت بعد قراءة السهل المحترق لخوان رولفو أنني لن أحب مجموعة قصصية بنفس القدر، حتى قصص ماركيز التي أحببتها أكثر من رواياته لم تضاهي سحر خوان رولفو والأغاني الشعبية التي كتبها في سهله المحترق، وقبل أيام اقتنيت مجموعة ريموند كارفر “عم نتحدث حين نتحدث عن الحب” لأنني قرأت في عام ٢٠١٥ النص الذي عنونت به هذه المجموعة القصصية في مدونة أحمد الحقيل وبترجمته، ولفتني منذ ذلك

الحين. عندما بدأت بالقراءة، لم أصدق ما أقرأ، أعني أصابني بعض الإرتباك، الذي يصيبني عادة عندما أقرأ شيئاً ساحراً، لا أبالغ وإن كنتُ أميل بشخصيتي للمبالغة كثيراً، لكن كيف يمكن أن توقف فورة دمك وأحلامك أمام كتابة كهذه؟ كارفر يكتب عن مواقف يومية وبلغة مقتصدة في الوصف، حوارات متداخلة، الكثير من الخمور هناك، تشيتشرز، البيرة، الشخصيات عادة ما تشرب عندما تتحدث على طاولة العشاء، أو في يوم لقاء العائلة والأصدقاء أو عند انتظار موعد اقلاع الطائرة، لا يقولون أشياء لا يقولها الناس عادة في مواقف كهذه، لا يمارس كارفر دور المعلم أو الواعظ المزعج، الذي يبدأ في شرح الحياة لك، أو تقديم طبق الحِكم الممل، أو يشرع في الصراخ : اوه الحياة متعبة، الحياة مملة، الحياة باعثة على الغثيان، لا لا ، لا يفعل كارفر هذا أبداً، ما يقوم به هو عظمة الكتابة حين تريك هذه الأشياء بدلاً من أن تخبرك عنها. كتب عنه في الصفحات الأخيرة من هذه الترجمة: ” تبنى أسلوباً واقعياً أعاد به ابتكار القصة الأمريكية خلال الثمانينات، ما دفعه لتسيد المقعد الأول في صفوف المنتمين إلى حركة dirty realism الذين ينتبهن إلى تفاصيل الحياة المهملة جداً والمستخف بها، فيعطونها معنى ومركزية، اعتبر أحد أكبر كتاب الحركة التبسيطية minimalism في الكتابة القصصية.”
مجموعة قصصية رائعة، أعتبرها اكتشاف هذا العام، وهو عمل لن أتجاوزه أبداً كقارئة وككاتبة.