عندما أفكر في الكويت، لا أشعر أنها كانت يوماً خارج فصل الشتاء، أو مدينة هادئة إلا عند شواطئها، فعلى الرغم من قصر شتاء الكويت، إلا أنه طويلٌ في مخيلتي ومطلق، كنت أمشي بمحاذاة شاطئ الخليج العربي، يجفف البرد القارس كفيّ، وتصطك أسناني عندما أكون في مواجهة هبوب الريح، ثمة كراسٍ خشبية موزعة على طول الطريق قبل المطعم الإيراني بجانب أبراج الكويت، أجلس هناك على آخر كرسي، أفتح كتابي وأقرأ حتى يحل المساء، وعندما يحين موعد العودة الى غرفتي، أتنفس بهدوء كمن يرغب في حبس أكبر كمية ممكنة من هواء البحر، لأنه يعرف جيداً أن هذا المكان لن يدوم وأنه لن يعود إليه بعد مدة من الزمن.

عندما زارني فيصل في التاسع من  فبراير عام ٢٠١١، كانت الكويت باردة مع إضاءة لامعة في كل مكان، إذ تحتفل بأعيادها الوطنية طوال الشهر، جلسنا في نفس المكان بعد أن مشينا هناك ذهاباً وإياباً، نتحدث عن كل شيء، كان هذا كافياً لنعرف أننا واقعان في الحب، وأن شيئاً كبيراً يحدث بيننا، وأننا لم نعد كما كنا يوماً، كنتُ أحس بأن جلدي الذي يتعرض لحرارة منخفضة، يخوض في معركة محمومة، وأن كل شيء أريده هو احتضان فيصل والإمساك بيديه، قال لي ما رأيك أن نتسابق حتى مكان الكرسي، كان المكان شبه خالٍ إلا من عابرين مسرعين الى المطاعم المجاورة هاربين من برودة الطقس، كنتُ أزن ضعف وزن فيصل، الشاب النحيل الذي تظهر عليه أمارات الشرود في شيء ما طوال الوقت، قال لي سأسمح لك بأن تبدئي بالركض قبلي، وفعلاً ركضتُ قبله لكنه سبقني وسقط عند آخر السباق، جارحاً إصبع يده التي احتكت بالكرسي الخشب، لم أكن منتبهة لفيصل، الذي انتظر أن أقبل أصابعه، أن يشاهد لهفتي عليه، لم أكن أرى فيصل، كنتُ في مكان آخر، كنتُ أحب فيصل كثيراً في تلك اللحظة.

بعد أيام من مغادرته كنتُ أمسح ذلك الطريق بخطوات بطيئة، أستريحُ منها بالنظر الى السراب بعد آخر موجة يصل إليها نظري، البعدُ الذي أرتاح إليه، المدى الطويل الممكن الذي لا ينتهِ من الموج والأسرار والإيقاعات التي تتغير حتى تشكل نمطاً، فلا تصبح إلا تكراراً، قطرات الدم التي طرحتها يدُ فيصل، ليتني أعرف طعمها، لو أننا نعود لنلعب مجدداً فلا أحاول إلا النظر إليه والعودة لمتابعة هذا السراب، لو أن تكراراً منوماً يصير عليه هذا الحب. يومها جلستُ على الكرسي معي كتاب شذرات في خطاب الحب لرولان بارت، الذي لم أقرأ منه جملة واحدة ذلك المساء، وبعدها بدأتْ مسيرة صاخبة في الشارع المجاور وعدتُ الى الغرفة.

بعد 7 سنوات من ذلك اليوم، في صيف صحار القائظ، كنت أمرر وقت انتظار أمي التي تركتها عند خياط العائلة برفقة إحدى أخواتي، بالانتقال في تطبيقات الهاتف، لا شيء في الفيس بوك ولا تويتر ولا الإنستغرام ولا باث ولا سناب شات، إحدى زميلات الدفعة، شاركت في حالتها على الواتس آب صورة لأبراج الكويت، وحلت عتمة على المكان الذي أوقفت فيه سيارتي الجديدة التي اشتريتها قبل أيام بعد حادث كاد يودي بحياتي قبل ٣ أشهر ، لم يعد هنالك سوى سرعة هذه الأيام قبل رمضان، الناس يتركون رخاوتهم، أتذكر أنني لا أعرف كيف يعيش فيصل بدماء نزفها في الكويت بعيداً عن موطنه، بدم غائب كهذا، ويصبح كل شيء أحمر داكناً، حتى ثوب العيد الذي اخترته مع أمي.