مثل تلك الليالي القديمة تذكرت أنها تستطيع أن تشتاق إليه، بدا ذلك كما لو أنه أُوجدَّ في العالم من جديد. لم تعرف هل مات قبل ذلك اليوم، لكنها عرفت على نحو لا يمكن إنكاره، أن لها قلباً، وأنه يعرفُ اتجاهات خاصة، وقد آثرت حينها أن تتوقف عن كل شيء وأن تمضي في اشتياقها له حتى النهاية.

كان ضوء الصباح قد تسلل على جسدها المطوي فوق الملاءة البيضاء، ناثراً حدوداً من الظلال والإشراق، بدا كما لو أنه صباح مليء بالإمحاء لفرط هدوئه وصمته، لكن جلبة قليلة من أطرافها الناتئة غيرت كل شيء، عندما فتحت عينيها، وجهت شرودها لتذكره، كان هذا الوعد الذي قطعته على نفسها، أشبه بالإيمان بوجود رب متطلب، عضت أطراف شفتيها كعادةٍ لا معنى لها حتى ذلك الحين، ومضت إلى يومها الذي ستنذره للأبد، لمن تشتاق إليه.

لم يكن لكل ذلك التغير الذي مرت به البلدة أي تأثير عليها، وجميع سكان البيت غادروا إلى مصائر  أخرى، التحق الأخ الأكبر بالجيش، وكان لباسه الذي شاهدته مراراً في الصور، يذكرها بالحرب، ولم تستغرب قط أن يكون للحرب وجود في حياتها على الرغم من أن شعبها يوماً لم يخض غمار المعارك، ولم يعرف طعم الانتصار، أختها الصغرى، تزوجت من رجل قريب للعائلة، وغادرت معه إلى بلاد أخرى حيث يتلقى تعليما سمعت أنه لا يشبه التعليم هنا، لم تكن تعرف عن أبويها أكثر من خسارتهما لأنهما يعيشان في غرف منفصلة، أما هي فمازالت تشتاق إليه، وقد شعرت في تلك اللحظة بأنها تعرف كل شيء.

قبل أن تنام، تحيط نفسها بكل ما فعلت من أجل أن تستمر في انتظاره، لا من أجل الوصول إلى آخر هذا الترقب، بل من أجل ألا تفرط في لحظة واحدة تسمح لأن يكونَ موجوداً في هذه الدنيا، وضعت على نافذة الغرفة ستائر تبدو كما لو أنها غلالة متواطئة مع ضوء القمر المرسل الى أرضية الغرفة، تشعر كما لو أن كل شيء في تلك الغرفة حتى عث الفراش، يصدر صوتاً كئيباً إلا أنه حلو. كانت تغمض عينيها وهي في لوعة رعناء من الاشتياق، إلا أن ثمة صوتاً خفياً يخبرها أن الحلم سيكون رقيقاً، ودافئاً، وأنها لن تتوقف أبداً عن ولادة ذلك الرجل الشقي، حتى وإن شاء أن يختار قدراً آخر.