الصباحات الباكرة في شوارع الحمراء، الريح التي تُطيرُ شعري القصير البني، عينايّ الجائعتان والمتضرعتان لكل هذه الحياة، لهذا الشريان الذي لا يتوقف من الناس الذين يضخون المدينة بوقودها الأول، خطواتهم. رائحة المنقوشة التي أختارها بالزعتر، الوشم الذي يزين كتف عماد صاحب الفرن، وغيدا التي تتأخر في افتتاح كشك مستلزمات الهواتف المحمولة، واللوحة الإعلانية الكبيرة التي تزين الجدار لماركة ملابس عالمية، بجانبها تماماً لوحة الشهيدة سناء محيدلي.

IMG_2139

 

كل شيء يخطف انتباهك بسهولة في بيروت، لكنني أقضي كثيراً من التردد لأفهم أن هذا الوجه لبيروت، تعطيه للغرباء وحدهم، في رواية كان غداً لهلال شومان، تبدو بيروت مأساوية وحزينة، مدينة متعبةَ ومُتعبة، وفي رواية شريد المنازل لجبور الدويهي، تخترق رصاصة صورة القديس المعلقة على حائط الشقة، اللوحة التي ظنوا أنها تحرس المكان من ويلات الزمن، وعندما حدث ما حدث، كانت كل المحاولات لترقيع المشهد، تشبه تماماً اليأس. مالذي يجعل بيروت مرثية؟ حتى الرثاء لا تستحقه أي مدينة أخرى مثل بيروت، والنظر إليها بهذه العين المُحبَطة يعني أنها مرئيةٌ، وأن جسدها يقف أمامك، ولابد من اجتيازه. فحتى الياس خوري في سينالكول يعود بشخصيته الى بيروت بعد أن ظنت أنها لن تعود، والملمح الأول لتلك الرغبة ظهرت منذ اللحظة التي شرح فيها لزوجته التي لا تعرف لبنان بأن التبولة، هي جنينة الله.

 لبنان الذي بات معروفاً أنه يتلقى حرباً كل عشر سنين، والذي تسكنه أكثر من ١٨ طائفة تتنازع على مقاعد البرلمان وعلى أرضه، ولحمه، ودمه. لبنان الذي عرفته أول الأمر من الجامعة الأمريكية الذي تعلم فيها أساتذتي في الجامعة، وجبران خليل جبران، و فيروز، لبنان الذي أتذكر جيداً كلما جاء اسمه أن رفيق الحريري اغتيل في عيد الحب ١٥ فبراير / ٢٠٠٥ عندما كنت أبلغ من العمر ١٣ عاماً، وأنني تابعت قناة المستقبل يومها، لم يكن هذا مصادفة، لأنني كنت أتابع برنامج مسابقات المواهب الغنائية “سوبر ستار” ومسلسلاً كوميدياً لم أعد أتذكر اسمه، لم تتغير صورة لبنان كثيراً، حتى مع كل المسافات التي تتقلص كلما اقتربت منها، عكس قانون الطبيعة كما يبدو، ثمة شيء وليعذرني أعداء الميتافيزيقيا، يحمل هذه المدينة ويمنحها روحاً، حتى رأس بيروت المعلق فوق البحر الأبيض المتوسط يصلح مجازاً عن ما تعنيه بيروت رغم كل شيء، كما لو أنها قُطعت من علوٍٍ ما. لقد أتيحت لي الفرصة لزيارة الحواضر العربية كما عُرفت ولم يكن الأمر سيان، وحدها بيروت صمدت أمام القرب. في متحف سرسق وأمام المجموعة الدائمة التي يقتنيها القصر، تشاهد بيروت بعيون الفنانين، منهم من ولد قبل ٩٠ عاماً، تنظر للفرشاة وهي تعرف بيروت إبان اعلان قيام لبنان الكبير عام ١٩٢٠، وصولاً الى لطخات من اللون الأزرق الفاتح والأصفر في أشد درجات بهتانه لإتيل عدنان الشاعرة التي أحفظ لها ” أنا عاشقة الأمطار التي تحمل الرغبة إلى المحيطات”، بعد ذلك تمشي في الجميزة، تنزل عبر سلالمها التي تحيط بها الأشجار من كل جهة، كأنما كل ما يمكن أن يعترضك هو خضرةٌ ممتدة إلى مكانها الذي لم ينجو تماماً من طبيعته، العديد من الألوان والرسومات والمقاهي على جانب السلالم، وسور للمفاتيح المغلقة، كاستعارة حالمة للبندقية، بجانب بيت مهجور تسوره أغصانٌ يابسة لشجرة أتخيل أنها منهكة، ومتخشبة، رغم بساطة جذوعها التي تقبض على الواجهة.  وفي ماري مخايل بعد ساعتين من المشي، يصادفك مقهى مخصص للقراء وبإعلان في واجهته بأن هذا اليوم هو يوم الكتابة، تدخل هناك لتجدهم منهمكين أمام أوراقهم البيضاء من خلفهم تماماً، لوحة كبيرة لوجه حزين، وملون بالرمادي، لا أسود تماماً ولا أبيض كذلك. لكنني أواصل المشي إلى مار مخايل، المقاهي المتقابلة، راديو بيروت، مقابل الدنيا هيك، مساحة مغلقة، أضوائها تميل في الغالب لأن تكون خافتة، وأرضيتها خشبية، ويمكن أن تشعر برائحة النبيذ متواطئة مع ساعات النهار الطويلة والمنومة.

في رحلة لمغارة جعيتا أصر على السائق هل هذه شجرة سرو؟ يقول نعم، أردد بصوت غير مسموع ” كأشجار سرو مستنفد هواؤها” لبسام حجار، أحبها أكثر من إشارة محمود درويش ” على شجر السرو/ شرق العواطف، غيم مذهب” وعيني لا تترك شجرة صنوبر واحدة تمر دون أن أحرر طولها. عند مدخل المغارة جلست على أول سلم، لم يكن لدي الفضول الكافي لأواصل التقدم، نظرت الى السقف، حاولت أن أفهم ما هو مصدر برودة المكان، ثم ما لبثت أن ضجرت، خصوصاً وأن المكان مزدحم بالعوائل والأطفال الذين يصرخون، أغادر من هناك إلى حريصا وبالتلفريك أصعد إلى فوق، لأشاهد بيروت من الأعلى.

IMG_2045

 

 

عودة للوراء، لكتابة سابقة، لم أستطع أن أبدأ بها :

لا أحب السفر، أفضلُ أن أبدأ دائما بالإعلان عن قطيعة ما، لكنني وفي واقع الأمر أكره الرهان على المفارقة. لنعد للسفر، لا أحب المشاعر الطارئة، أو الاضطرار إلى لعب دورٍ ما، لا يلعب الممثلون وحدهم الدور على خشبة المسرح، بل الجمهور أيضاً، يهيئ نفسه من أجل انفعالات كان قد أعد روحه من أجلها. لا أحب التنقل من مكان لآخر، ولا يهمني في واقع الأمر أن أعرف أماكن كثيرة، فأنا أفضل مقهى واحد في مدينتي، وشوارع معينة تلك التي أسلكها، ولا أعرف مكاناً بمعالمه الشهيرة، بل بسقوطٍ ما أو بيدٍ أخرى ممسكة بيدي، وفي غالب الأحيان بكتاب ما. مثلما حدث اليوم في منطقة حريصا بلبنان،عندما صعدت إلى التلفريك كان كل شيء يشغل بالي هو أندرياس ايجر في رواية حياة كاملة للكاتب الألماني زيتالر، الذي عمل على صيانة التلفريك منذ البدايات الأولى له ، كنتُ وبلا مبالغة، مع أنني أبالغ كثيراً كما اكتشفت مؤخراً أو كما كشف لي الأخرون من حولي، أسمع في صرير العجلات المهترئة للعربة الصفراء التي كنت بداخلها  كما لو أنها الكلمات القليلة التي قالها ايجر الذي لا يبدو متألماً أكثر من اللازم بالنسبة لإنسان تعيس يعرج عندما يمشي.

قبل وصولي إلى بيروت التقيت صديقة قديمة على تويتر، في مقهى نيرو بفرعه في دبي مول، كانت مدة التوقف بعد رحلتي من مسقط الى دبي ٩ ساعات، قررت فيها أن أزور مكتبة كينوكونيا، وأن أتعرف على هذه الصديقة عن قرب، لا أعرف كيف صرنا نتحدث عن اليسار في بلاد الشام العربي، ربما الحديث عن زياد الرحباني الذي أزور بيروت من أجل حضور حفلة له هناك، ومواقفه السياسية المعروفة، والتي لا أستطيع القول إنني غير معنية بها، كما لا أستطيع تماماً أن أؤكد أنني بالقوة الكافية لكي يصبح لكل هذا معنى ما، فحتى تصبح أخلاقياً هذه الأيام يجب أن تكون قوياً. كنتُ أفكر في الطريقة التي أتحدث بها، هل أبدو أقل فتنة في الواقع، أحاول أن أكون صادقة هنا، أنا مشغولة بنفسي طوال الوقت وبالصورة التي أحاول ألا تتفتت كما هي فعلاً أمام الآخر، يمكن للفضيحة أن تلبس إيقاعاً أقل صخباً لو أنني أنا الوحيدة التي سأشهد عليها وهذا كافٍ في الوقت الحاضرٍ. تحدثنا عن الظروف التي تمر بها بلدانا المتجاورتين، كنا كمن يهرب الى الكمين الوحيد الذي تضعه لنا هذه البلاد، أن نعرفها علناً، وألا نسمح لذلك أن يمر دون أن نقول شيئاً. في رحلة الذهاب الى مطار رفيق الحريري، كنتُ أفكر في قصة مطلعها، (لقد أحبته لأنه يضع قلادة بحرف اسمها، الألف، وبدت الهمزة معقوفة جيداً في مكانها، لكنها وبعد شهور قليلة تبينت أنه كان رمزاً لسيف علي رضي الله عنه والمسمى ذي الفقار). قصة لها خاصية تتماشى مع الواقع، فما فائدة مخيلتي البعيدة تماماً عن المتجسد؟

IMG_0001
بإنتظار الصديقة في نيرو – دبي مول.

رضا شوفير التاكسي الذي أوصلني من عند منارة بيروت القديمة إلى غرفتي الفندقية بشارع الحمرا، القادم من النبطية بجنوب لبنان، أبو رند، ويقول “هو ورق الغار”. رضا المسلم الشيعي والذي يتمنى لقاء سماحة السيد حسن نصر الله وجهاً لوجه، يتمنى أن يشتعل فتيل الحرب مجدداً مع إسرائيل لكي يؤدي دوره الطبيعي كما يعتقد في الدفاع عن أرضه في طرد الأعداء، أول حرب شهدها كانت حرب ١٩٩٣ عندها كان يبلغ من العمر ٨ أعوام، ويتذكر جيداً “نزلة” أبوه على بيروت، وقضائهم فترة الحرب هناك، انتسب رضا الى دورات كثيرة في حزب الله، لذلك وعلى حد تعبيره لم يعد يهاب أي شيء، استشهدت أخته في الحرب، لذلك هو يعرف الحقيقة أكثر من أي أحد آخر، وفي عام ٢٠٠٠ عام تحرير الجنوب، عرف رضا معنى أن يؤمن بلحمه ودمه بطائفته، يصدق رضا أن ملائكة كانت معهم في الحرب آنذاك، وأن الجنود الإسرائيليين الذين جنوا وفقدوا عقولهم كانوا  أكثر من أولئك الذين قتلوا، يصدق رضا هذا جداً  وبإيمان تندر صلابته. رضا نفسه الذي يريد الحرب، يحب ملحم بركات، الذي عرفه عندما كان ينزل إلى “الفوال” لأنه يحب الحمص والفول في الضيعة التي كان رضا يتردد عليها، يحفظ رضا كل أغاني ملحم، وشاهد كل لقاءاته وعندما مات ملحم قبل سنتين كان رضا يعمل شيف في مطعم بالنجف العراق، وهناك سمع الخبر، وهنالك بكى أيضاً. “بتعرفي أغنية طريقي، أمل” ويبدأ بالغناء معها وبالدق على الدريكسون ، أقول له سأكتب عنك؟ يقول: بدك صورة؟ . عمل رضا في الإمارات مدة ٤ سنوات ومثلها في العراق، افتتح مطعماً عندما عاد من هناك، لكن المشروع لم يستمر بسبب ظروف لبنان بعدما حدث في سوريا.