بدا الأمر كما لو أنني قررت فجأة أن أتبع شخصاً يحارب السرطان على إنستغرام، ذلك التخشب الذي يصيبني كلما فكرت في أن على هذا الإنسان إما أن يمضي إلى حتفه أو أن يقضي بقية اليوم متسائلاً: لماذا أنا على وجه التحديد؟ لا أضع اللامبالاة خياراً إذ أن الألم وأعراض المرض الجانبية لن تدع فرصة لهذا الشعور بأن يكون متاحاً. هذا الدافع بالذات، أعني متابعة التحولات النفسية لحالة كهذه، هي كل شيء قد تعنيه حياتي، لا أفعل شيئاً سوى وضعي في احتمالات مشاعر لم أجربها بعد، أتخيل هذه الأيام أن أبي قد يموت، وأنني لن أصدق ذلك، وسأقنع أمي بأن أبي لم يمت فعلاً، وفي أيام العزاء سأكون في إحدى عواصم أوربا أشرب قهوتي كأن شيئاً لم يحدث.

غاضبة من الإفراط في استخدام علامات التعجب، من رؤية مطرب متزمت خلف الميكرفون، أو من رؤية آخر يدخن بينما يغني، يزعجني الشيء ونقيضه، ولا تبدو لي الحياة في العالم هذه الأيام أكثر من محاولة الاستقطاب في كل شيء، من الميل والتحيز، من الحسم المضجر، كل شيء يمكن أن يصبح كابوسياً ولا أعرف كيف يمكن لي أن أسمح لكل هذا بأن ينفذ إليّ أو ألا أفعل ذلك. هنالك آليات دفاع نطورها مع مرور الوقت، أليست هذه إحدى خصائص طبيعتنا؟ لكن تكيفي يأخذ شكلاً واحداً: الانسحاب.

قرأت اليوم هذه الجملة: “عتاب المطربة السعودية الأفريقية التي ذاع صيتها في القاهرة” في قصة قصيرة للكاتب المصري ياسر عبد اللطيف، دار في خلدي أنه لابد وأن يكون ذلك سراً آخر، لماذا لا نقول مثلاً خالد الملا الأفريقي؟ لماذا يحق لذلك الكاتب أن يقول كل شيء وأن أكتفي أنا بلا شيء، عدا خالد الملا، الذي لابد وأن يكون مقطوعا من نفسه لكي يصبح جاهزا لقصتي، لقصتنا، أو لقصتهم. هل علينا أن نكون أشباحاً لكي نمتلك حق الكلام، وما أن نصبح مرئيين، نهدد كل شيء؟ ويهددنا كل شيء؟

لا أقصد أن أقول شيئاً لامعاً، لكن كل شيء سراب، أتخيل أحياناً أننا بعد لم نكتشف الهواء الذي تندفع فيه كلماتنا التي نقولها لبعضنا البعض، نجهل أجسادنا فيما عدا رمزيتها المبتذلة، نتوسل بطبيعة الأمر الحياة الطيبة، لكننا لا نعي ذلك، نفعل هذا دون أن نعلن لذواتنا أننا ضعفاء ونرغب في حياة شكلها كذا وكذا. أعود الى ما يزعجني، يزعجني أن موضة الاكتئاب رائجة هذه الأيام، مثل موضة الإلحاد، ويزعجني أكثر أن يقصي أحدهم نفسه من هذا كله وأن يشير لهما كموضة، يزعجني هذا السباق على اتخاذ مكان في كل حكاية، هل هذا يعود لكوني لا أستطيع أن أقول: فلان بن علان الأفريقي أو أيا يكن؟! لأجل كل هذا الشِعر الرديء علينا أن نتراجع قليلاً وأن نصمت.

كل شيء أحبه يستحوذ علىّ تماماً، لعل هذا هو الجزاء المضيء لتعاستي، عندما أحب كاتباً، أحب معرفة كل شيء يتعلق به، بداية من الكتب التي يحبها وانتهاء بما أسميه اللاموقف من الأشياء، ليس من الضروري أن يحب قصيدة الهايكو أو أن لا يحبها، لا يتحفظ على كلمة “الاستشراق” ولا يتهم الاستعمار في كل صغيرة وكبيرة، قد لا يحب القهوة، لكنه وليس بالضرورة أبداً أن يحب الشاي، قد لا يحبهما معاً، لا يحب الظهور، ولا يطوق نفسه عن العالم،  هنالك في المقابل بعض من التضحيات والحسم: يكره كلمة قطيع لكنه لا يخبرنا بذلك، لا يحب بول أوستر  يمكنه قول ذلك بالمناسبة، أشياء كثيرة جداً، أنا مهووسة بشخصيات عديدة، أتذكر أنني مرة أرسلت لكاتب أخبره بأنني قرأت روايته الأولى وأحببتها، رد بعدها: هل ستلبسين بدلة رقص شرقي لو التقيتك ذات يوم؟ لم أكرهه على الإطلاق، لقد بقيت أذكر نفسي أنه يخاف من الغرباء، ولا يحب هذا النوع من التطفل وهكذا يرفض محاولتي لكي أزج بنفسي في عالمه، هكذا يتأكد من أنني لن أعود.  لا بد وأن أبي سيموت، لكنني سأنكر ذلك للأبد. لأبدي وأبديتكم جميعاً.