IMG_4895

“جمال لا يعرف الرحمة” هذا ما كتب على غلاف “كفاحي” لكناوسغارد، الذي لم أفعل شيئاً في الفترة الماضية سوى الحديث عنه، وأغلب الأسئلة التي كانت تطرح علىّ من الأصدقاء، هل هي رواية؟ وفي مواقف أخرى يظن آخرون أنني أشير لكفاحي هتلر. أما بالنسبة للسؤال الأول، فأنا لا أعرف تماماً إجابة واضحة عن هذا السؤال، فأهم ما شعرت به حيال هذا العمل هو أنه عصي على التصنيف، يمكن أن يكون أي جنس أدبي، عمل متفرد، على الأقل أنا لم أقرأ شيئاً شبيهاً بهذا من قبل، تقول إحداهن، يمكن لعلبة سردين، أن توحي بشيء جميل إذا كتب عنها كناوسغارد، كتابة محمومة من الداخل تستطرد كثيراً في قول كل شيء دون أن يبدو ذلك زائداً عن الحاجة، مع احتفاظ هذه الأشياء بطاقتها، بعنفوانها، سرعان ما تفصلك عن الواقع، لكن هذا يحدث برقة فائقة أيضاً.  عندما يقع في حب ليندا بعد قراره مغادرة النرويج إلى ستوكهولم وانفصاله عن زوجته تونجة، يشعر كناوسغارد أن ثمة شيء في حياته ألذ من الكتابة، أنها ليست كل شيء. أنا بدوري كنتُ أشعر أيضاً بأن هنالك شيء ألذ من الكتابة أو التفكير المتواصل بها، إنها القراءة لكناوسغارد.

يسجل كناوسغارد ما يشبه اليوميات التي سرعان ما تشعر أنها تتجه إلى شكل من أشكال المقالة، خصوصاً المقاطع التي يتحدث فيها عن الفن  والأدب مثل رأيه في ديستوفيسكي وهولدرين و انفتاح الشعر أمام القارئ،  أو النسبية، أو الشبكة التي يصنعها الناس فوق الواقع الذي يستمر في مجراه التمييزي الظالم ضد الآخر،  يحدث هذا في نص يأخذك من الماضي إلى الحاضر، مروراً بهذه المطالعات، بخفة لا مثيل لها، أحسستُ أنني أكبرُ معه، وأتعلم، وقد يبدو هذا صادماً، فأنا لا أدعم ذلك الاتجاه التقليدي الذي يتوخى الفائدة من الأدب، لكن كناوسغارد أدخلني في حالة جديدة، بدأتُ معها أرى أسئلة كثيرة، مطروحة أمامي مع إجابات كناوسغارد عنها، هو مثلاً يقول في المرة الأولى التي يبكي فيها أمام ليندا، أنه محرج جداً لأنه ليس شخصاَ فقط وإنما ليس رجلاً كذلك. هذه الملاحظة التي قد تدفع للسؤال: لماذا لا يبكي الرجال؟ من قال إن الرجل لا يبكي؟ لا يظهر كناوسغارد متحفظاً أمام شعوره الحقيقي، أمام ذاته كما هي عليه، ليس إرضاءً لأي فكرة تقدمية، وما يجعل هذا صادماً بالنسبة لي، هو الوعي الكبير بها، كناوسغارد، يؤمن مثلاً بقيم الفحولة والشرف، ويحب جداً الاهتمام بضيوفه، وإكرامهم، وفي ليلة عيد الميلاد يضع شجرة ضخمة أكثر مما يجب في بيته، رغم أن هذا قد يبدو تقليدياً بالنسبة لأصدقائه، هذا الصدق أو دعوني أقول فهم الذات أبهرني كثيراً.  لا أعرف إن كنتُ أقول هذا بطريقة صحيحة أو أنني دقيقة فيما أقوله. لكنها الطريقة الوحيدة لدي لاختبار هذه الفكرة معكم.

انزعجت بعد نهاية الجزء الأول من العمل “موت في العائلة” من وصفها بأنها رواية عن شعور شاب تجاه والده، لم يبد لي هذا وحده محور تلك الكتابة، ما زلت أتذكر الطريقة التي يتحدث فيها عن بلادته، عندما عرف الخبر، ثم حالات انهياره اللاحقة، عندما يتردد الخبر على ذاكرته، لا توجد مواقف محسومة بشأن هذه الأحداث في حياة كناوسغارد، مثلما هو الحال، في حياتنا جميعاً كما أظن، ليس الأمر أنه لم يكن على وفاق مع والده، بالضبط، كما يحدث عندما يهبط إلى قبو البيت في أحد الأيام بعد انفصاله عن زوجته الأولى بكامل إرادته وارتباطه بإمراة أخرى يحبها جداً فيجد شيئاً يخصها، ويبكي لأنه يحس بأن حياة كاملة كانت معها لم تعد موجودة الآن.

رغم التفاصيل اليومية التي يسهب فيها كناوسغارد، إلا أنني لم أشعر بالملل أبداً، لكنني شعرتُ بالتعب والإرهاق في بعض أجزاء الجزء الثاني “رجل عاشق” ، ذلك الجزء المتعلق بتربية بناته، إن تبديل الحفاظات، أو محاولة إقناع طفلته بإرتداء حذائها، أنهكني كما لو أنني أم، المشاعر التي أتخيلها كثيراً، لكنني لم أجربها، ثمة تفاصيل صغيرة احتضنتها هذه الكتابة، – عذراً على هذه المفردة الطفولية- لا تغيب عن بالي، شعوره بالحرج من أن يطلب من شيف مطعم قروي صغير في النرويج تغيير حساء السمك الذي غرق في الزبدة، نزولاً تحت إلحاح زوجته الحامل، لن يفعل كناوسغارد هذا لو كان وحده، كان سيتناول حساءه رغم كل شيء، دون أن يعرض نفسه لهذا الموقف، إحساسه بأن غيير صديقه النرويجي المقرب جداً في السويد وموضوعه الأثير الحديث عن الفروقات بين النرويج والسويد، في كل مرة، يجلسون فيها مع أشخاص آخرين، نظرته لهذا مثلاً، أشياء ومواقف كثيرة، من الصعب أن تحس بأنك بعيد عنها.

كم أشعر بالامتنان الكبير لدار التنوير وللمترجم الحارث النبهان، فهم يغامرون بتقديم هذا العمل لنا، فهو ليس من ذلك النوع الرائج كما سمعت، ويتطلب جهداً كبيراً في ترجمته، وتقديمه لنا، وكم أنا في شوق كبير لمواصلة قراءة الكتاب الثاني من الجزء الثاني لأن التنوير قدمت الجزء الثاني في كتابين، وأتمنى أن تترجم سداسية كفاحي قريباً.

أمل

٢٤/٩/٢٠١٨

كاريبو – مسقط