لطالما هددتُ أمي أنني لن أجلس في البيت يوماً واحداً بعد أن أبلغ ١٨، وأنني عندما سأدخل الجامعة لن أعود مهما حدث للبيت. لكنني الآن هنا عمري ٢٦ عاماً، في البيت، ليس تماماً في غرفتي القديمة، لأن ترتيب الغرف تغير مراراً منذ ذلك الحين، هاربة من عملي، ومن كل أحد أعرفه، إلى سقيفة منزلنا، وكل شيء مرتبط بها.

كنتُ أشعر بالنعاس، الساعة السابعة والنصف مساءً، لأنني محمية من كل شيء، يمكن ألا أكون مصابة بالأرق ليوم واحد، اليوم الذي أكونه في بيتنا القديم.

كل علامات البيت التي كانت تزعجني في الماضي، الخطوط السوداء الرفيعة على جدار ذهبي، كأنها شقوق وضعت للزينة، البلاط البني، التي تبرز منه رسومات على أشكال زهورٍ مبالغ بها، السجاد الفارسي الملون، محاولة توحيد الألوان، الستائر، الأرضية، والسقف، لون غطاء السرير، لون دولاب الملابس المشترك، كل شيء على خلاف أثاث شقتي في مسقط، الأثاث ذو الألوان المحايدة، أثاث إيكيا سهل التركيب، البهتان العام لكل شيء حتى لا يتسبب بالنفور، كل شيء في البيت القديم هو ما لا أملكه في شقتي الجديدة ومع ذلك أنا هنا الآن.

انتقلنا لهذا البيت عام ٢٠٠٠، وكنا لأيام عدة نسأل والدينا، متى ننام في البيت الجديد؟ وفي كل مرة نسمع إجابة مختلفة، لم يكن هنالك يوم محدد، حسما أمرهما بالانتقال فيه، هنالك أعمال قائمة في البيت بعد الانتهاء من بنائه، تنظيفه، توصيل الكهرباء وغيرها، وفي إحدى الليالي، كنا عائدين من بيت جدي لأمي، كان ذلك في ساعة متأخرة من الليل، وكنتُ نائمة في السيارة كما كان يحلو لي دائماً أن أفعل، عندما وصلنا للبيت، حملني والدي من السيارة وتركني في فراشي الجديد، واستيقظت في منتصف الليل خائفة للغاية، بسبب رائحة الصبغ التي نفذت إليّ، وهكذا كان لقائي الأول بالبيت، غائباً إلى هذا الحد وغريباً، صادماً، كما سيكون دائماً.

كان البيت بالنسبة لأسرة فقيرة، لا يتجاوز راتب سيد البيت فيها ٣٠٠ ريال، شيئاً في غاية الأهمية، كان ضخماً بالنسبة للجميع، حتى وإن كان ضيقاً علينا، كان بالنسبة لأمي “تاج محل” الذي لا تعرفه، ملأ الجو الجديد، كل من في البيت بنوع من الزهو، الذي دفعهم لعيش سنوات قادمة مختلفة، قبل هذا البيت، كنا ٤ نعيش في غرفة واحدة صغيرة جداً، ونستخدم حماماً مشتركاً مع ١٠ آخرين، عندما كنتُ أرتدي حذاء أمي الأنيق، لم أكن أستطيع السير في الغرفة، لأن سرير أبي وأمي هناك، وفراشي أنا وأخوتي على الأرض، لم يكن هنالك متر واحد من الفراغ في تلك الغرفة، وكان صوت أمي وأبي يتجادلان طوال الوقت، قد ترك بصمة على كل شيء فيها. بعد أيام من انتقالنا للبيت الجديد، قتلت أمي أفعى بطول بضعة أمتار، وأصابني ذلك بالرعب الشديد، تزامن هذا مع الحديث المفضل للطالبات في مدرستي آنذاك، السحر والشعوذة، وكنتُ قد بدأت أكره هذا البيت منذ ذلك اليوم، خصوصاً وأننا لم نمتلك مطبخاً، فصنع أبي كوخاً صغيراً في الخارج، ووضع فيه ثلاجة وموقد نار، لذلك كنا نضطر لقطع مسافة لا بأس بها لكي نشرب كأس ماء، من ذا الذي يمكن أن يضمن عدم وجود عائلة من الأفاعي هناك. في اليوم التالي، شاهدتُ أمي تحفر الأرض، وتضع شتلات من النعناع أمام المطبخ، كأن شيئاً لم يحدث أمس، هكذا سيعيش جميع من في هذا البيت لوقت طويل.

عندما أصبتُ بالفواق، في ليلة شتوية ، في الأسابيع الأولى من انتقالنا للبيت الجديد، وفي بيت جدي لأبي، قال أبي، عرفتُ من الذي كسر مصباح واجهة البيت الأمامية، وكنتُ أجهل أنها مكسورة حتى ذلك الحين، بدأت أبحث عن هذا الذي فعلها، لكن أبي كان يحدق نحوي، كنتُ مذعورة للغاية، وذهب الفواق سريعاً وضحكوا جميعاً، وهكذا عرفتُ أن الخوف يساعدنا في هذا الموقف، ولم يعد ذلك مجدياً بعد تلك المرة، كان أي شيء يتعلق بالبيت، بذلك الشيء بالغ الضخامة بالنسبة لهم، يهددني باستمرار، إنني على وشك أن أخون ميثاقاً ما، اذا ما تصرفت من تلقاء نفسي، كمن يقود سيارة باهظة الثمن، ولا يملكها، ويخاف من أن يحرج نفسه إذا ما تعرض لحادث، لا يفهم هذا الأخير أن الحادث يعني أن حياته هو المهددة، كل ما يفكر فيه إنها ليست سيارته، دفع فيها صاحبها مبلغاً طائلاً من المال، إنه لن يضيع مال فلان.

ولأننا نعيش وسط الخلاء، “السيح” كما يطلق عليه في الدارجة العمانية، لم تكن حافلات المدارس تقبل أن تأخذنا من البيت، كنا نذهب سيراً على الأقدام لمسافة كيلو ونصف، لنتمكن من الذهاب للمدرسة، كنا معزولين تماماً، لا بقالات، ولا جيران، مزارع خضراء مترامية هنا وهناك، واد سحيق شمال البيت، أشجار “سمر” متناثرة بإرادة صلبة، عندما يأتي أحد لزيارتنا، ينزلون عند بيت جدي القريب، احتراما له، وكنا نذهب هناك لتحيتهم، لم يكن هذا البيت مكاناً لأي شيء غير ضخامته هو نفسه بالنسبة لمن هم فيه، وبعد سنوات، سيكون مليئاً بأزهار مختلفة، ياسمين، نرجس، ورد جهنمي، ملكة الليل، ملكة النهار، وستصر أمي أن تصورني بملابس الابتدائية الصفراء آنذاك، أمام الياسمين، وتعيد التصوير في كل مرة، لأنني لم أكن لأبتسم أبداً.

DpDJhZ7W0AA2ZT-

يتبع…