كان من العادة أن يذبح الناس، شاةً أو خروفاً، عند الانتقال لبيت جديد، لكننا أجلنا ذلك لحين موعد ولادة أخي، العقيقة ودخول البيت بالمرة، هكذا قال أبي، لأولئك الذين ظلوا يطالبونه ب “عزومة” البيت الجديد. وفعلاً جاء أخي، الولد بعد ثلاث فتيات، كانت رائحة السمن العربي نفاثة في البيت، وجدتي تخبز يومياً في بيتها، ثم تجيء لأمي بالخبز وعسل السمر. كان ذلك في شهر نوفمبر، والأبواب مشرعة طوال النهار، فلا حاجة للمكيف، وكان صبغ البيت داكناً، فبدا أن الشمس التي تدخل للبيت، تحاول دون جدوى أن تفعل شيئاً ما.

كان مسجد القرية يبعد عن بيتنا مسافة كيلوين، بجانب بيت عمتي، وكانوا يسمونه باسم صاحب البيت المجاور له، مسجد ولد سيف، في ذلك البيت شجرة تين، لم أتجرأ على تذوقها يوماً، وأمامها بالضبط، أرجوحة معلقة، ولعبة اللوح المتوازن، وكنتُ أخاف من ابن زوجته الأولى، الذي يأتي لزيارتهم في العطلات، كانت له ملامح حادة، وتقليعة شعر غريبة. لذلك لم أفهم لماذا الإصرار على إنجاب ولد. إذا ما كان في نهاية الأمر مخيفاً. كانت جدتي تتركني هناك، لأن أبي يعمل في صلالة، وأمي تعاني من مشاكل في الحمل. لم نمتلك في بيتنا أي لعبة، حتى سنتي الجامعية الثانية، أذكر أن أحداً لم يذكر شيئاً عن اقتناء زحليقة كبيرة ، ففوجئت بها في البيت، كان هذا مربكاً بالنسبة لي، فمنذ متى يلعب الأطفال خارج مخيلتهم؟

خلال السنوات الأولى، سأعمل على تنظيف حوش البيت من الأوراق التي تسقط من الحديقة التي تطوق باب المدخل  على شكل حرف U، وفي يوم زفاف خالي الثالث عشر، سأطلب شيئاً لا أتذكره الآن، لكن أبي سيرفض بشدة، وسأبكي بصوت عالٍ، كان ذلك اليوم، هو أول وقت أقضيه لوحدي في البيت، لأن أبي قرر أن يعاقبني وأن لا يأخذني لحفلة الزفاف، كانت الساعة الحادية عشر صباحاً في شهر آب، حرارة الصيف، تدفنُ كل مظاهر الحياة، وكنتُ غاضبة، ولأن أحداً لم يكن أمامي، بدأت أقتلع أعواد الأشجار الرفيعة من تربتها، وعندما عاد أبي للبيت، فوجئ بتلك الجثث المتكدسة، وأمسكني دون مقاومة مني، وربطني في عمود خشبي، كان من المفترض أن يكون واحداً من أربعة لمظلة ألمنيوم لسيارته، لكنه كان عموداً وحيداً حتى ذلك الحين، وتحت شمس آب الملتهبة، سأرفع قدماً، وأنزل أخرى، كلما حرقتني حرارة الأرض، ولن أبكي أبداً، في يومي الأول  وحيدة  في هذا البيت.

سريرين، ثم ثلاثة أسرة، ثم أربعة، غرفة صغيرة، لا مسافة بين السرير والآخر، كنا نضطر للمشي على الأسرة حتى نستطيع الخروج من الفراش، ولم نكن نخطئ فندوس قدماً، أو نركل بطناً، كنا نعرف أين نضع خطوتنا التالية، وبعدها قررت أمي أننا نحتاج لأسرة الطوابق، لأن أسرتنا الخشب تشغل مساحة الغرفة كلها، وجد أبي صفقة أسرة جيدة في سوق البداية، وبدأنا نتشاجر، من منا فوق، ومن منا تحت، بطبيعة الحال، الجميع كانوا يريدون السرير العلوي على سبيل التغيير الملحمي بالنظر لحالة جديدة كلياً علينا، أما أنا فكنتُ أفضل السرير السفلي، لأنني لن أحتمل أبداً ذلك الانفتاح الكبير فوق، تحت يشبه الجحر، قبل الأسرة كنتُ أصنع خيمة من أغطية السرير، وأختبئ تحتها، لم يكن لهذا أي مسمى آنذاك، لكنه كان موجوداً، وكان غامراً  فلا يمكن العودة منه.

تمنيت لو أنني مصابة بعرج طفيف مثل زميلتي التي تجلس بجانبي في الصف، أو أن تكون أمي هندية مثل والدة زميلتي الأخرى، تمنيت لو أن شيئاً فريداً يتعلق بهذا البيت، كنا لا نذهب للمستشفيات، ما عدا مرة واحدة، انفتح فيها رأس أخي، عندما كان يحبو، نفس الطفل الذي ذبحنا عقيقته، سقط من سلالم البيت الأمامية، وكان أشبه بخرقة حمراء بين يدي أمي، أما أنا فعدوتُ سريعاً لبيت جدي، وأنا أنادي عمي الأكبر، بكلمات متقطعة، مستشفى، درج، دم واجد، مات، لتهرع أمي بمثابة الفاصلة المنقوطة. مازالت علامة الجرح في جبهة أخي، منذ سنتنا الأولى في هذا البيت. على هذا السلم نفسه، سنشهدُ الحدث الوحيد الكبير في البيت، الحدث الفريد من نوعه، أبي يقبلُ أمي صباح كل عيد عند عودته من المسجد، على شفتيها، كأن من المسموح وعلى غير العادة أن ننفعل بصوتٍ عالٍ.

 

PHOTO-2018-10-10-12-14-57

 

يتبع…