تعودتُ أن أفهم الأشياء من غيابها. فالمرة الأولى التي أحسستُ فيها بالتحرر، كانت في غرفتي بالسكن الجامعي، في الكويت، بعيداً عن القرية التي نشأتُ فيها، ذلك لأنني كنتُ أعرف، أن أحداً لا يعرف مكان وجودي. هناك إذن فهمتُ كيف يكون وجود الآخرين ضاجاً وباعثاً على الانغلاق والموت. لكنني بعدها بوقت قصير سأضطر للسير على جثثهم، لأنني كنتُ أحملها في مكان ما مني، لم يكن ذلك سهلاً بالطبع، لكنني فهمتُ أيضاً ولمرة أخرى، أنني من ذلك النوع الذي لا يبدأ يومه دون ماضيه، وأنني لن أستطيع أن أعيش الحاضر أبداً وأنا أقمع كل تلك الأحداث التي سبقت وجودي الآن.

كلما قدتُ سيارتي للعمل، وتذكرت أن راديو السيارة معطل، أدركت أين تصل هذه البلاد، ولماذا تتفجر مراكز الشرطة، ذات اللون البني الداكن، لون صخب الغبار، على جانبي الطرق السريعة، مبانٍ ضخمة، بصيغة واحدة، من فوقها جبل وعلى جنبيها، جبالٌ تم تفتيتها.  عندما أقول الغياب، يقفز نثر محمود درويش ” في حضرة الغياب” المانفيستو الذي قرأته مرات عديدة قبل أربع سنوات، وكيف أنني تأثرت بفكرة البديهة التي لا تحتاج إلى وثيقة. هذه المدينة الأشبه بقرى مجتمعة، لا تزود بالقصص، فمن خلال غيابها نعرف أي نوع من المدن هي.

ليلة البارحة، رأيتُ في نومي، أنني في الخامسة والثلاثين، أي بعد ١٠ سنوات من الآن، أنتظر في مواقف سيارات المتنزه العائلي، الذي قبلتني فيه أول مرة، كانت ليلة شتوية في شهر فبراير، لم يكن هناك أحد، جلسنا على تلة صغيرة، تقابل عقبة العامرات المضيئة، وقبلتني بسرعة، حتى لا يتسنى لي وقت لأرفض، قلتَ إنني أحببتك أخيراً بسبب تلك القبلة، في نومي ليلة أمس كنتُ أراقبك من سيارتي، بينما تمسك يد امرأة أخرى، على نفس التلة، عدتُ إلى البيت، كتبتُ لك رسالة وغادرت المكان إلى الأبد. عندما استيقظت من النوم، كنتُ أصدق كل ما جاء في المنام. تفقدت هاتفي، أنا أصدق كل الأكاذيب التي أختلقها، وغياب هذه الواقعة يا حبيبي، لا يعني أنها لا تحدث الآن.