IMG_6581 2

لا أعرف لمّ فاتني أن أرى الأفعى التي قتلتها أمي بجانب بوابة البيت الكبيرة قبل انتقالنا بأيام معدودة، بلغ طولها ٦ أمتار، وبدت كما وصفوها ثخينة جداً، وقد قطعوها ليشاهدوا ما تناولته في الأيام الأخيرة، من الرأس ولنهاية الذيل كما لو أنهم يستعدون لحشوها، بعدها بسنين طويلة سأعرف أن الجميع يتملكهم الفضول نفسه بشأن بطون الأفاعي، لكنني أبداً سأشعر أنني أعرف تلك الأفعى من خلال تخيلها، الشيء الذي سأفعله مع كل شيء آخر في حياتي. لم يتحدث أحد عن الفأل السيء، والغريب أنني لم أشعر بالخوف من فكرة أن البيت قد يكون وكراً للأفاعي، ربما لأن الغموض الذي أحاط بكل شيء يتعلق بالبيت، كان غامراً أكثر وعلى نحو لا يمكن العودة منه. استمر بناء البيت ٤ سنين، معها خفتَ الانتظار شيئاً فشيئاً، كأنه لم يعد يعنيني بعد الآن، كان المقاول المسؤول عن البيت قد هرب وفي حوزته ٦٠٠٠ آلاف ريال عماني، الشيء الذي استدعى توقف العمل في البيت لحين تأمين المال والإتيان بمقاول وعمال جدد، أتذكر أنني وعلى الرغم من سني الصغيرة، كنتُ قد غضبت للغاية، لأنني كنتُ أعرف رغم ذلك، كم كان أبي فقيراً ومتعباً، وكم كان يبذل من الجهد، وقد شلني أن يصيبه هذا كله.

أخذني والديّ لمحل لبيع الذهب والمجوهرات، لأشتري خاتماً بمناسبة حصولي على المركز الأول على مستوى المحافظة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي سأدخل فيها محلاً للذهب، اخترت خاتماً صغيراً بالغ الرقة، في منتصفه حجر صغير أخضر، يبرق من بعيد، عدت إلى البيت وأنا أرتديه، ويشعر والديّ بالزهو لأنهما أقدما على فعل ذلك من أجلي، في اليوم التالي سأحاول خلع الخاتم، لكنني لن أتمكن من ذلك، ستحاول أمي أن تخلعه، أمي التي تنجح في كل الأشياء، لكنها ستفشل في ذلك! سيتدخل أبي، ثم سيضعون أنواع كريمات مرطبة، وبعدها سيجتمع كل من في البيت في غرفتنا الصغيرة المكتظة في بيت جدي، حتى عمتي وزوجها التي تسكن على مسافة كيلو ونصف، ستأتي للمساعدة في خلع الخاتم، كان ذلك مربكاً بالنسبة لي، فلم أكن الطفلة التي عادة ما تتوجه لها الأنظار، على خلاف أختي، البيضاء الجميلة، التي يهوون مداعبتها، سيخلع الخاتم زوج عمتي بسكين كبيرة، كانت تستخدم للذبح في العيد، كان يبرر ذلك قائلاً، أنه يستطيع التحكم بها أكثر، قطع الخاتم من أحد أطرافه، وأصابني بجرح طفيف، بينما كان جرحي يلسعني، كان عمي يبلغ أبي،  أن أحد أصدقائه اقترح عليه مقاولاً جيداً، قد يكون هو المقاول المنشود لإكمال البيت.

كان فناء البيت الخارجي ممتداً، وعندما نقطع باب المنزل الرئيسي نحتاج لنصف دقيقة لنصل لأول سلالم في البيت، هنالك نترك أحذيتنا، تظلل السلالم شجرة يسمونها ملكة الليل، ذات أزهار أرجوانية تمتد لأربعة أمتار، وفي الجانب الآخر من السلالم، كرمة مشدودة إلى لاقط البث الفضائي على سطح البيت، بحبل رفيع. ما أن تدخل البيت، تحسُ أن الشمس لا تعرف أياً من أركانه، يعود ذلك للون الصبغ الداكن، الذي كان عالقاً هناك بإرادة صلبة، في ألبوم العائلة ثمة صورة، ملتقطة من سلالم البيت الأمامية، فيما باب الصالة مفتوح، كنتُ أحمل أخي الذي يبلغ من العمر الآن سبعة عشر عاماً، وكنتُ أرتدي ثوباً بنياً طويلاً، تقف بجانبي عمتي، إلا أن وجوهنا معتمة تماماً، لا تكاد تميزنا، بسبب درجة الإضاءة التي تمكنت العدسة من التقاطها، هذه الصورة وفي كل مرة أراها فيها، تأخذني إلى النبرة التي كان يحدث بها كل شيء، الهواء، حضور الأجساد، أغطية الشعر المنسدلة على أكتافنا، لوحة صفات الله ذات الحجم الكبير، المزهرية بالورود الاصطناعية الملونة دون تناسق، كلها أشياء لها وقع هائل،و لم يكن هنالك إيمان بالأشياء التي تحدث سراً بين هذا كله.

في وسط الصالة ثمة سلم يفضي لسطح البيت، وعند الباب قبل أن ندخل للسطح، تضع أمي صندوقاً خشبياً كبيراً، فيما عدا الحشرات الصغيرة التي تكاثرت هناك، يوجد مئات الرسائل المكتوبة بخط اليد، والتي تبادلتها أمي مع أبي في بداية زواجهما عندما كان يعمل بعيداً عن البيت، ورسائل صديقاتها، ورسائل تهنئة الأعياد ذات الطابع الخاص، وهي عادة من أشخاص لا رسائل شخصية منهم على امتداد العام. تخبرني أمي أنها قررت إزالة السلم، بغرض توسعة صالة البيت، ولن يكون هناك غرفة علوية بعد الآن، وأفكر في أي مكان ستضع ذلك الصندوق الذي لم يعد له حاجة أكثر من أن يكون موجوداً في مكان ما من البيت. أخاف يا أمي، أخاف كثيراً من الظلال الخطية التي تركتها كل تلك الرسائل في نفسي، كيف نترك كل تلك الأسرار عن علاقتكما والتي لا يعرف أبي شيئاً عنها حتى الآن، لمن سيذهب كل ذلك الذبول الذي سببته المسافة والخوف والوحدة.

لم يكن معنا أي جيران، بيت جدي فقط، لذلك كنا تقريباً الأشخاص الوحيدون الذين يصنعون هيئة المكان، في أيام العمل والعطلات، في أوقات الفرح والحزن، لذلك فإن أي سيارة ستمر من هنا ستكون لفحة حياة الآخرين التي تحيط بصاحبها هي حياتنا نحن، هذه المسؤولية التي تعامل معها أبي وأخوته، فأن أي سيارة جديدة تمر، هي وعدٌ بانتهاك ما، كانوا يتناوبون على مراقبتها، خصوصاً وأن الوصول إلى منطقة بيوتنا صعب للغاية، حيث لا شارع إسفلت، ولا طريق مهيئ لعبور السيارات. لكن هل كنا نفعل شيئاً؟ لا أظن ذلك، كان صوت العصافير يسيل في المكان أكثر من أي ضجيج قد نصدره في أوقات النهار، أما في الليل فإن الضباع التي تسكن في الوادي القريب تتكفل بإضافة جو ملحمي سريعاً ما أمسى طبيعياً، اعتدنا أن ندع للأشياء الجامدة فرصة أن يعلو صوتها، لكننا لم نكن نكلف نفسنا عناء فعل شيء ما.

البيت الجديد يعني أسئلة جديدة، هل سنشارك في اجتماع العيد السنوي في بيت جدي، هل سنذبح خروفنا الخاص، أم أننا سنكتفي بخروف جدي الوحيد، هذه الأشياء التي كنا ننتظر الإجابة عليها. ومثلما جرت العادة، لم يكن هذا السؤال علنياً، ولم نكن نعرف الإجابة حتى ليلة العيد، عندما عاد أبي متأخراً، وقال أننا سنذبح خروفنا الخاص لكن في بيت جدي، وهكذا لم يكن هنالك أي مشكلة، لم تشعر جدتي التي ستموت بعدها بسنة واحدة، أننا ما عدنا ننتمي إلى فضائها هي، إلى قوانينها التي لم تكن خاصة بالنسبة لامرأة في بداية الخمسين أماً لأولاد هادئين وأحفاد، يتوخون إصدار الضجيج.

 يتبع…

 

يتبع….