أريد بشدة أن أتخيل الأشياء التي أكتبها، في بعض الأحيان أشعر بالإحباط لأنني لا أجد مادة للكتابة سوى حياتي الواقعية وكل ما مررت به، لذلك فكرتُ أن أكتب عن شخصية مسجونة، ربما لأنها ارتكبت جريمة ما، قتلت أحداً، سرقت مصرفاً، لا يبدو ذلك مهماً، لكنني لا أعرف أحداً ارتكب شيئاً مماثلاً، ليس ذلك فحسب بل لم أسمع عن جرائم كهذه، ومخيلتي لا تستطيع أن تمنحني شيئاً الآن. إلى متى إذن سأتصرف ككاتبة فقيرة؟ أريد أن أكتب، ثمة شيء لا أستطيع قوله إلا بالكتابة، لكنني لم أكتبه حتى الآن. شيء يشبه عطر blue الذي يضعه حبيبي، والذي يغمر المكان، شيء يشبه الأكمام الطويلة لسترتي الصوفية التي أرتديها الآن، تلك اللحظة التي أشاهد فيها يدي بدلاً من التقدم إلى الأمام، وتكون أصابعي متوارية هناك تحت كم السترة الطويل.

تخليتُ عن مساءات عديدة، بدأتُ أفكر بأن معرفتي لقدراتي سيسهل عليّ أموراً كثيرة، كأن لا أشتري بعد اليوم أي كتب تتحدث عن الأدب، أو أي كتب فكرية مغرية، لأنني أعرف جيداً أنني لن أقرأها، وهكذا قاومت هذا المساء على وجه التحديد اقتناء كتاب “ما التاريخ الأدبي” لكليمان موزان، في اليوم الذي أشعر فيه بأنني لست على خير ما يرام، أستسلم لهذا فقط، ولا أجبر نفسي على النهوض من الفراش، أو حتى القراءة، لا يكون هنالك شيء، عدا الفراغ، سوى فكرة واحدة وبسيطة، أنني في هذه اللحظة، جثةٌ تتأمل امتدادها المحدود.

لماذا لا ترسل لي رسالة؟ قل لي مثلاً، لا يجب أن تكون الكتابة خارقة، لا يجب أن تقولي شيئاً مؤثراً، لا يطالبكِ أحد بشيء، العالم مكان صغير لكنه بالطبع ليس صغيراً إلى الحد الذي يصبح فيه أمر فتاة مسجونة بلا مبررات واضحة أمراً مهماً، هل تذكرين قراءتك لرواية طقس سيء، عندما تحولت الشخصيات الميتة لأطياف تزور الأب الأرمل، لم يقتلهم أحد أليس كذلك؟ أعرف جيداً، أن الحياة، حياتك على وجه التحديد، لا تسير على هذا النحو، أنكِ الآن، تفكرين في متطلبات الدراسة، أن رصيدك البنكي على وشك الإفلاس، أنكِ تريدين بشدة المشاركة في فعاليات نهاية العام، أفضل كتب السنة، أفضل أفلام السنة، لكنكِ تشعرين بأنك حينها ستكونين مفتعلة، تحسين بأنكِ فتاة صالحة ولا تودين الشك في ذلك أيضاً، ليس بالمشاركة في شيء كهذا. كل شيء يهددك، وتوشكين على أن تفتضحي نفسك في كل مرة أليس كذلك؟

أريد أن أكتب، عن أشياء مشتركة، مثل الرغبة في إمضاء لحظة التوقف أمام الإشارة الحمراء، كأن أحداً يود اختطافها منا، عن اللحظة التي ندرك فيها أننا تركنا مفتاح المكتب في البيت، عندما نتناول جبنة الماعز أول مرة، عن رؤية البحر، مستلقياً في مكانه، دون أمل في أن يتغير ذات يوم، ذلك الحزن الذي نحسُ به عندما نفتح أعيننا بداية كل صباح، الخوف من أن لا نعرف إذا ما كنا نقبلُ بالطريقة الصحيحة، الفرق بين أشكالنا في الصور، وبين شكلنا في المرآة، المرة الأولى التي عرفنا فيها أن أمهاتنا لا يعرفن كل شيء، وعن كوننا ورغم رغبتنا في أن نعيش حياة طبيعية، إلا أننا لا نشعر بالرضا أبداً.

ثمة فتاةٌ مسجونة، تقرأ الآن، “يوميات الحزن العادي” لمحمود درويش، كان الاسم يوحي بشيء مألوف، لكنها الآن وفي منتصف الكتاب، تحسُ أن حزنه أكثر وضوحاً، ربما على شيء انتزع منه، أرضه، لكن هي مالذي انتزع منها؟ كانت ترغب في أن تكون فتاة أناركية، أو نباتية، أو تحب من اللحظة الأولى، ترغب في أن تكون فتاة ترتدي تنورة طويلة وقميصاً فضفاضاً، لا كانت ترغب في أن تكون بمظهر أكثر جموحاً، تضع أحمر شفاه باهت، أو ربما تضع لوناً داكناً، كانت كل شيء، هل يعني هذا شيئاً؟ في اللحظة التي قرأتْ فيها رواية الغريب، عندما كان ميرسو في السجن، ينظر من النافذة لأشعة الشمس التي تدخل إلى هناك، ظنت أن هذا كافٍ، لكنه لم يكن كذلك في كل الأوقات. تحبُ العودة إلى البيت، لكنها ستقتل كل من فيه. لا تتخيلُ اليوم الذي ستقف فيه لاستقبال تعازي الناس في وفاة والدها، لكنها ستتركه يتعفن في غرفته قبل أن يشتم الجيران رائحة الموت تنبعث من ذلك المنزل الصغير.

أحبك، هذه ليست الكتابة التي أريدها، لكنني أحبك، أمام هذه الكلمات، خلف هذه الكلمات، أحبك، قل لي شيئاً عن أن الكتابة قد لا تكون خارقة على الإطلاق، أنني يوماً، قد لا أحظى بفرصة لإدهاش أي أحد، لكن ذلك ليس أمراً مهماً، أنت تحب كل الجمل التي لا أضع عليها علامة في الكتب التي أقراؤها، كل تلك الجمل التي لا أستطيع تقديرها، لا أريد أن أبدو متكلفة، أنا فتاة صالحةٌ بالفعل، أو ربما لا أكون كذلك، لكنني أحبك جداً، وهو الشيء الوحيد ربما الذي أستطيع الكتابة عنه دون أن أقوم بتبريره.