مسقط المدينة النائية التي أموت فيها. الليل فيكِ مثل أمواجٍ متلاطمةٍ تركض بي إلى حافة الانهيار. الليل فيك اقتباس العالم للوحة “ليلة النجوم” (١) لكن النجوم هناك – حيث تنسدل سماؤك كستارة شفافة على هذه الأرض العصبية – كاذبة، وبعيدة، وهي اشبه بالمناشير والفؤوس حيث تقنعين ناسكِ الحالمين مثلي، أنهن قريبات، وأن الوصول اليهن لا يتطلب سوى الصعود على جبل شمس مثلاً، وحالما يصل الواحد فينا الى هناك يصبحُ هدفاً سهلاً لرصاصتك.

لطالما حلمتُ بذلك الفراغ الذي سأبني فيه كماليّ الخاص، لكن فراغك انتِ بالذات أكبر من أن أتمكن من ردمه.

اين شريط البداية؟ لماذا اتشرد فيك الى هذا الحد؟ كيف أعرف أنني سأصل إليكِ يوماً ما؟ ولماذا تصرين على أن تكوني لي أماً ثانية، لا ألمسها ابداً، لا أعوضها عما فاتها ابداً ولا أحزن عليها في وجهها ابداً، أنهار فيها ولأجلها ابداً.

ان الكراهية تملأ بطني ورأسي ورجلي ووجهي، إن الصقيع ينفض نفسه في أحلامي ووحده الواقع يثور عليّ ووحدها حرارتي تركض من هناك. باردة يا مسقط، باردة كتعويض على غياب الشتاء فيك على نحو مروع، إن غرائز الروح تنحط فيك، لماذا لا تكونين حانية معي، غير متكلفة، عفوية؟

هل نسيَّ الرسام فرشاته قبل ان يقشر لوحته استعدادً لحفظها، هل أجلَّ فعلها لوقت لن أكون فيه أنا على قيد الحياة؟ متى تنفتحين كشطر في قصيدة؟ كيف سنميز صوتك بعيداً عنك؟ كيف أُدخلك الى محجر قلبي دون أن أضغطك؟ أن اسمح لكِ أن تكوني طيفاً هناك، طيفاً كاملاً لا بمقاس صورة سأشاركها عبر حسابي على الانستغرام. الماء فيكِ ينسكبُ من عينٍ ميتة. الحب ينسل عندك من قلب توقف عن النبض قبل دقائق ونحن جميعاً لا نصدق هذا الموت ونود لو تستفيقي مرة واحدة أخرى نود لو نشيعك ونحن أكثر استعداداً لفعل ذلك.

خبريني: متى قال لك أحدهم أنه يحبك؟ متى التفت اليك قبل أن يخرج من عالمك، حزيناً ومتهيباً لفقدانك، متى وقف على جبالك أحدهم ليصرخ فيك، ليولد عبرك، متى آخر مرة نفضتي فيها رحمكِ برغبتك؟ أتنجبيننا لأن العالم يريد ذلك؟ لأن الوقت اضيق من أن تفكري في هذه المسألة؟ لأن الحيرة تأكل وجدانك؟ أنجبيننا لكي تقطعي شككِ بيقين ما؟ وما هو اليقين الذي لا نعرفه عدا أننا محاولة بدائية للحلم. هل نحن وهمكِ الأكبر؟

في البدء تكون الغربة ثم لا يعود الأمر كذلك، تنسى أن مركزك هنا في مسقط وان أي مكان في العالم تحسب فيه المسافة منه الى مسقط، وأن المقارنة تصير مع الفرق في التوقيت بين هناك ومسقط. وتصبح مسقط خارج العين، خارج القلب، خارج الفكرة الطفيفة هذه. غيرّ اتجاه الأسهم في خارطتك الموجودة في دفتر مذكراتك. ارسم أننا نتجه من بيروت الى كل وجهات العالم مثلاً، فضلاً افعل ذلك. قبل أن نخسر آخر حبات الكرز التي نعيش لأجلها(٢) قبل أن يمتقع لون نظرتنا، أريد لدمي فورته و لونه الحقيقي غير المسروق. أريد المغالاة في العيش.

…..

هوامش :

(١) لوحة ليلة النجوم لفان جوغ

(٢) اشارة لفيلم طعم الكرز للمخرج الايراني عباس كيارستمي. مشهد الرجل العجوز الذي انقذته في محاولة الانتحار التالية ثمار الكرز.