في بداية الألفية الثانية، وبينما كنت أرتاد المدرسة الابتدائية، شاع تقديم الرسائل على هذا النحو، أذكر أن معلمتي أهدتني عندما حصلت على المركز الأول في صفي، كتاباً لكاتب لا اذكره الآن، عنوانه: “إلى ولدي مع التحية”، وعندما كتبتْ لي أمي كلمة لأقرأها في يوم المعلم كما صارت تفعل كل عام: “إلى معلمي مع التحية”. وفي اول ظهور لي على خشبة المسرح في مسابقة طلابية على مستوى المنطقة قرأت نصاً بعنوان الى “وطني مع التحية”، هكذا افنيتُ طفولتي، أرسلُ تحياتٍ وأستقبلُ أخرى، دون أن أختار ذلك. والمثير في الأمر أن التحية صارت في ذاكرتي شيئاً يرتبط بالخطوات الأولى، و التفوق على الآخرين، هكذا اذن اختارُ أن ارسل لك رسالتي هذه مع التحية، لأنك خطوتي الأولى، ولأنني بك أتمايز عن العالم كله، وبأنانية مفرطة تحق لي هذه المرة أقول : أنني الأكثر حظاً، والأكثر شؤما في نفس الوقت.

ولنبدأ بالشؤم، كيف أحميك من رأسي الذي يحمل كل هذه العيون، التي تقتنص كل شيء بحدة؟ كيف أواسيك على اسمي الذي لا يتقاطع في شيءٍ معي؟ كيف أخفي عنك روحي التي تتقاطر يوماً بعد الآخر في نهر بعيد لا تستطيع أن تسير عليه بقاربك رغم محاولاتك. وكيف أذلل أمامك نفسي لتبدأ بالإجابة على زعيقها المجروح؟ وعندما أبدأ صمتي الطويل، كيف أحمي صفحة عينيك من ارتباك الزمن الذي يكتب قصائد ساخطة عن هذه القسوة؟ وفي الوقت الذي اقررُ فيه السير وحيدة الى مصيري كيف أعوض يديك غياب كفي؟ وفي الوقت الذي ترتاب فيه من الهواء كيف أفسر لك كل هذا “الربو” الذي أعاني منه منذ طفولتي؟ وكلما أهديتني مزيداً من الوقت، هل أقول لك أن الدقيقة التي مرت، تمرُ، وستمر تجرحني أكثر؟ وعندما نستعد للنوم، وأدفن وجهي في المخدة باكية، وأرغب في الموت؟ كيف يصبح لك حياتين في ثانية واحدة، احداهما حياتك والثانية حياتي وتدافع عنهما لوحدك؟ وفي العيد عندما ترتب ضحكتك قبل أيام، كيف تغفر لي أنني أعدُ موسم قطافها قبل أن تخطفك الفرحة؟ كيف أرد لك الحب، بهذا الانحياز الى أركاني الصغيرة والمظلمة؟ هل تذكر عندما قلت لك أحبك في المرة الأولى، كيف أشرق وجهك، وكيف أنك اعتبرت المكان الذي قلتُ فيه هذه الكلمة، مزاراً مقدساً، كلما مررنا فيه، أشرتَ إليه كأنك ولدتَ هناك، لمَّ أشعرُ أنني قتلتك ببطء هناك، دون أن تعرف أنني فعلت، راوغتك الى صدرك، برمحٍ خفي، ها هو يظهر كلما كنا معاً.

أما عن الحظ، فأنهي به رسالتي هذه، لأنني ما زلت، آمل أن يؤخر الزمان حظي ولو لمرة واحدة، لأحيا معكَ الحياة التي تستحقها. حبيبي الذي آمن بقلبي، وخلصه من شراك الوحدة، ونذره للأوقات الطيبة. الذي يبكي كلما شاهد أمه، ويصمت كلما تذكر ماضيه، الذي يرفع عائلة كاملة بقلبه لا بأكتافه، والذي يمضي الى هذا كله بلا مقابل. حبيبي الذي يفوته الوقت لكي يكون ما يريد من أجلنا جميعاً. حبيبي الذي يبتسم ابتسامة دافئة في إجازة الأسبوع عندما يرتاح ثانية واحدة من الركض دون أن يطالبنا بكل الساعات، الأسابيع، الشهور، السنين التي هي له وحده. حبيبي الذي يحدد لي عند خروجنا من المنزل كم يلزمنا من الوقت لكي نصل لأي وجهة محددة، دون أن يخطئ مرة واحدة، لأنه حفظ الطريق الى الجميع عدا الى نفسه. كم أحبك، وأتمناك أبداً.

 

أمل

22/1/2017

بوشر/ 10:30 صباحاً

ملاحظة: الصورة: هي صورة لبطاقة زفافنا. وهي من فكرتي وتنفيذ الصديقة العزيزة: هالة الريامي.