ما أحبه في امتلاك شقة كهذه، والارتباط برجل مشغول طوال الوقت، عدا أنه ممل ولا يعرف شيئاً عن اكتئابه، وتلقائية عدم اكتراثه بالأشياء من حوله، خصوصاً تلك التي يحبها بشدة، أو يعتقد أنه كذلك، أن بإمكاني الاستحمام في أي وقت أشاء، لا يحس عادة وهو نائم بأي شيء.  يمكنني أن أنسل من الفراش بسهولة وأن أفتح صنبور الماء في الحمام حتى في الثالثة فجراً، وعندما أخرج لن يستطيع تمييز رائحة صابون البرتقال الذي أحب ولن يتخيل أن شخصاً قد يضيع فرصة النوم ليلاً من أجل فكرة صبيانية كالاستحمام لمجرد الاستمتاع بذلك.

ينتزع الغطاء من على جسده يوميا في الوقت ذاته وبلا تأخير، ويبدأ استيقاظي بصوت ثنيات الغطاء التي يخلفها ورائه، إن ظهره هو أول شيء أراه أنا الأخرى كل صباح، يكون مستعداً للنهوض، للسير حافياً في غرفة مبلطة. عندها أفهم فقط أنني ما عدت وحيدة أبداً، وأنني محاصرة بـ “كافكا” شخصياً الذي أحتاج لشرب برميل بنزين ليتوقف عن الصراخ في رأسي، وأتأكد أنني على نحو ما، تعسة جداً، ولا يمكنني التراجع عن ذلك.
لا أعمل من المكتب، كل ما علي فعله كل صباح هو التأكد من تسليم تحقيق صحفي جديدة للصحيفة التي أتقاضي على العمل فيها مرتباً يكفي لمزيد من أكواب القهوة، ولأتأكد بأنني غير يائسة كفاية لأنجب أطفالاً، أو أن أخوض في مشاريع جديدة كهذه، التحقيقات التي أعمل عليها لا يميزها شيء، هي واحدة ليست خارجة عن النظام الذي تسير عليه الأشياء هنا، لا تحاسبه وتنظر في أمره من مسافة كافية كما تمنيت دوماً، بل على العكس من ذلك هي جزء من استمرار وجوده، لذلك لا قيمة حقيقية من وراء هذه الكتابة غير أنها تسمح لأفراد الحكومة والتجار في النوم هانئين كل ليلة من أن أحداً لم يفتش أكثر من اللازم لكنهم وأمام العالم كله كانوا قد أثبتوا أنهم فتشوا علي الأقل ومن باب المصداقية التامة. اليوم لا أريد أن أعمل، لن أكتب عن العمال في مواقف السيارات في مجمع العاصمة، سأعيد قراءة المرأة العسراء لبيتر هاندكة من ثم سأدعو فراس على العشاء وأطلب منه بعد ذلك أن يمضي كل واحد منا في طريق مختلف، ولن أتكلم، كما لن أبكي، لن أفعل، سأرتب نظرة تحدق في خط مستقيم واحد وكدمة أشبه بالغلاف على وجهي مثل وجه جديد لمدمن كحول، وإذا اقتضى الأمر فقط، سوف أدفع الحساب كمن يستطيع المضي قدماً في وضع حرج.

كافكا يكره المسخ، يعتقد أنها قصة رديئة، يسبب لي هذا نوعاً من الملل والإحباط، إذ أن عبقرية لا يمكن النظر إليها كما هي عليه، لا تعني غير أن الأمور لا تكون جيدة أبداً، آه أفضل أن يأتي الليل سريعاً، وأن تكون ليلة بطيئة حينها، قرأت مرة في كتاب عن تربية الأطفال، الهوس الجديد الذي ربيته لحمايتي مئة مرة من هذا المصير، أن كل شيء يجب أن يسير ببطء ليؤتي نتيجة جيدة مع هذا الكائن الذي قد لا يلاحظ كثر أنه لين أكثر مما ينبغي وطازج بالطبع، هل أريد القول بأن زوجي هو طفلي؟ هل هذا حقاً ما قد أفكر فيه؟ لا يمكن أن يكون كذلك، إنها ليست قصة من حكايات نساء القرية التي ولدت فيها، لكنها فكرة البطء في التعامل مع الهشاشة المفرطة.

كنا في مطعم إيطالي، طلب مني أن أختار له طعامه كما أفعل عادة، لا أعرف لماذا لم أفعل هذا ولو لمرة واحدة بشكل تلقائي دون أن أنتظر طلبه مني لكي أختار، ربما هو الأمل المستمر، في أن يعرف يوماً وجهة ما، حتى وان كانت وجهة بطنه، اخترت طبقين من الباستا، أحبها حارة وأختار له واحدة بتتبيلة الريحان، قال لي أن الأمور في الشركة تسير على ما يرام، هنالك عمل كثير بالطبع ولا يتوقع أن يكون متوفراً في الأيام القادمة، كنت أومئ برأسي من الخارج فقط، لأنني كنت أنتظر تلك التحديقة، أنتظرها من أكثر مكان أعرف أنه قريب جداً ، من جحيم هذه النفس الذي اختارت هذا اليوم أن تتحول عن رويتنها المعتاد، من هذا التشابك المؤلم للأعضاء الداخلية غير الحسية، من الدم الذي يعرف أنه متدفق في غير مكانه وينز طوال الوقت دون رحمة، ورغم هذا كله، لم يكن هنالك أي نظرة أستطيع القول أنني صنعتها أو حتى أنني عرفتها، كنا نسير الى الخارج، وأعرف جيداً أنني سأشتم رائحة البرتقال شبه وحيدة، لا وحيدة تماماً، وأن ذلك هو كل سأحبه هنا.