“لكي تمشي، تحتاج إلى البدء بقدمين”

 

مدخل:

” المشي ليس رياضة” – فريدريك غروس

“كان يمكن لو كنت أسرع في المشي.. أن أتشظى وأصبح خاطرة عابرة “.  –  محمود درويش

كنا نمر على حديقة في طريقنا اليومي الى المنزل، بعد ساعات عمل طويلة، في الصباح نختار درباً آخر، منذ حادث السير المروع الذي أوقف الحركة في الشارع السريع مساء العاشر من أكتوبر الماضي ووجهتنا هذه لم تتغير، هنالك عمال يعبرون الشارع الى مقهى صغير عند الزاوية، وبجانب المقهى مصبغة ملابس تتجمع عندها عدد كبير من السيارات وشبان عمانيون لا يتوقفون عن الدخول والخروج من المحل، أظن بأن هذا المحل مكان مناسب لدراسة الطبقة المتوسطة من الشباب العاملين في المدينة. أحب إيحاء هذه الأماكن، ورائحتها، وعندما أضطر للذهاب إليها بدلاً عن زوجي الجالس الى جانبي الآن، أستعد لكل شيء عدا الأكياس التي تغلف الملابس النظيفة، أشعر أنها فكرة مؤذية على نحو لا يمكن تفسيره، حينها أتذكر مشهد الكتب المتكدس في الغرفة وأوراقها التي تستحيل مع مرور الوقت من لونها الأبيض الى لون أغبر رث. وأنا أحبها بهذه الحال ولا أجد أنها متسخة، يبدو كما لو أنها علامة أخرى على مرور الزمن، مثل تساقط الشعر أو التغضنات تحت العين، أو انحناء الظهر بصورة طفيفة. اليوم كنا نمر على الحديقة، أشجار متباينة الطول، وألعاب صغيرة ترتفع عن الأرض بإنشات متواضعة، وفتيان يمررون الكرة دون توقف، فتحت النافذة، كان في الأرجاء هذا اليوم صوت مكتوم للحديقة، وعلى غير العادة طلبت من أحمد أن يتوقف قليلاً.

أصدر أحمد همهمة خافتة، وبتلكؤ كثر نظيره، توقف بجانب باب الحديقة، سألني ماذا هناك؟ قلت له أنني أجد الحديقة اليوم مختلفة، ثمة شيء يجتث هذه الأرض وعلينا أن نحول دون وقوع ذلك، أرغب في أن أتأكد من أن كل شيء بخير، وقبل أن يتمكن من الرد، كنت قد حررت نفسي من حزام الأمان وغادرت السيارة، بخطوات مسرعة نحو داخل الحديقة. هذه هي المرة الأولى التي أنظر  فيها للحديقة من الداخل، ولا أعرف كيف سيمكنني معرفة أي تغيير غير مرغوب به هنا، تجولت قليلاً بجانب تلة صغيرة في مؤخرة الحديقة، كان قد مضى على خروجي من السيارة عشر دقائق تقريباً، تركت هاتفي هناك، وقع نظري على شابة تنتظر ، ربما اتفقتْ مع أحدهم على موعد غرامي، هذا ما فكرتُ فيه لحظتها، لكنني سريعاً ما نظرت الى ثلاث فتيات في طريقهن اليها، جلست قليلاً على الأرض، ثم أغمضت عينيّ، لا شيء يبدو غريباً ابداً، هذه هي عادة الحدائق المماثلة في وسط المدن الكبيرة، نوع خاص من السكون، كأن كل هذه الخضرة تقف على الحافة، حدائق لا تقول شيئاً، لا تحرض على الهرب الى الريف، ولا تهدئ من وقع الحرب خارج سورها، إنها أماكن محايدة جداً، ولأنني جئت من قرية صغيرة عُرفت بمزارعها الممتدة، أعرف جيداً مالذي يعنيه أن تبدو الحديقة مثل لا شيء.

تذكرتُ لحظتها تاريخ اليوم، ذكرى لقائي بأحمد لأول مرة، في الطائرة، جالساً بجانبي، ويقرأ كتاب “القطيعة بين المثقف والفقيه”، وأنا أقرأ رواية الهدنة لماريو بنديتي، لا يمكن في بلاد كهذه أن تكون مثل هذه اللقاءات الا نادرة الحدوث، بادرتُ لأول مرة بالحديث الى أحد في الطائرة، يبدو كتاباً مشوقاً قلت، وكنت أكذب حينها لأنني أعرف جيداً ما في الكتاب والا لما واتتني الحماسة للاندفاع هكذا، أغلق الكتاب وبدأ يسرد لي أهم أفكاره وسرعان ما ربطها بالواقع في بلادنا التي تركناها، السلطة التي تحاول قمع المثقفين، التيارات الدينية التي تستند على غياب النخبة المثقفة ودورها الفاعل في المجتمع، أذكر أنني وفي غمرة تعلقي بنبرة صوته الواثقة نسيت أن اضع علامة في المكان الذي كنت قد وصلت اليه في الكتاب الذي أحمله. تحدثنا لساعات في طريقنا الى الدار البيضاء، عرفت أشياء كثيرة عنه وهو كذلك ودعاني لفنجان قهوة قبل أن نودع بعضناً متبادلين ارقام الهواتف، وشيئاً من الانجذاب الرقيق.

لما لم نتوقف أنا وأحمد عند هذه الحديقة قبل اليوم، كان كل شيء غائماً، لكن الأمور سرعان ما تغيرت، تركت المكان من باب خلفي، وخرجت من لا شيء، مشيت كثيراً في المدينة التي لا أعرفها جيداً على الرغم من قضائي فيها ٤ سنوات مدة زواجي بأحمد، أحسست بكل الغياب الذي يغمر محل العصائر الذي كان ينبغي عليّ أن أتوقف عنده من قبل ولم أفعل، سخرت من نفسي على هذه الفكرة التي تبدو متحاملة بفجاجة، بدا المشي مثل سخان المياه في صباح بارد، وبدا أن أحداً لم يستدرك طرق هذه المدينة بعد، وتهافت قلبي حينها مثل أوراق الخريف.


  • عنوان القصة: فدريدرك غروس – فلسفة المشي.